
محمد فيض خالد
تشرق الشمس كل صباح متبجحة، تجاهر بالعدوان ، تلعق المباني الباهتة ، النائمة في استسلام ،تطل غاضبة من فرجة تعتلي بقالة ” أسد” السوري ، يغرق المكان في ضوء مرهق ، يخوض فيه الخلق صباحهم في إعياء ، يتحاشون قدر المستطاع اسنانها الحادة ، ساعة ذهابهم لأشغالهم ،يخرج الجميع للعمل، تفرغ الشقة تماما ، فلا يتبقى من آثارهم غير بخات متأرجحة لرائحة عطر رخيص ارتوت منها ملابسهم، وتيار من الهواء الساخن ، يتدفق محموما من النافذة ، تلك الصباحات أكرهها ، افتقد بشدة إشراقها الذي تعودت في قريتنا ،تكاد الدموع تطفر من عيني ، أظل اتقلب في فراشي في مزاج سيئ افكر في مستقبلي القادم ، اتخيل ملامحه المشوشة ،يزعجني ذلك الضوء الرمادي المتسرب ، صوت عراك ” أسد” السوري مع زبائنه ، لكنته الشامية بحروفها الممطوطة ،أحاول تكرار بعض كلماتها بيني وبين نفسي لكني اعجز، لم يمض أسبوع حتى تجرأت، استطعت أخيرا كسر الطوق، الانفلات من رهابي الملازم لي منذ المجيء ،اذهب للبقالة ينظر ” التركي ” نظرة امتعاض ، يخشى من الشرطة، فإجراءات الإقامة تستغرق وقتا ، يتنحنح في كل مرة ، اطمئنه بابتسامة ترضية، اتشوق للفكاك من هذا السجن المفتوح ،العمل الشيء الوحيد الذي سيحررني ، لكنها مسألة وقت، الإقامة ، استخراج الهوية ستسهل حركتي، أمام بقالة ” أسد” استحضر شتات ذهني ، اعاجله بكلمات ابالغ في مط أواخرها ، هكذا يفعلون ،يضحك صاحبي في استهزاء ، قائلا :” مو هيك يا معلم” ، لم يكن أسدا كما تصورت ، بل شاب نحيل ، ذو وجه شاحب ضامر في صفرة الموت ، شاربه البرتقالي يثير الفضول ، تتناثر شعرات شاربه على الجانبين ، بدا عنيفا في المرة الأولى ، حاول فرد عضلاته ، بالغ في أثمان بضاعته ، يعرف أنني وافد جديد ، كان ” التركي ” له بالمرصاد ، انتهى الأمر بتراجع لطيف، بمرور الأيام أصبح لطيفا ، توثقت صلاتنا ، لا تفارق عينه مدخل بيتنا ، يظل في اضطرابه حين خروجها ، أما هي فساحرة ، وجه أبيض مشرب بحمرة ، عينان يقطر كحلهما في سواد يزيد اتساعهما ،تتطاير خصلات شعرها الأصفر في فوضى تخطف القلوب ،تمتلك قواما رشيقا ، تتوزع مفاتنه في احكام ملفت ،لا تفارقها ابتسامة إغواء تمنحها بسخاء ،تضيء من حولها كشعاع خاطف ،يطلق من صدره زفرة حارة يتطاير على إثرها رماد روحه، داخلني السرور عندما علمت أنها جارتنا ، هي ابنة جارنا الفلسطيني العجوز ، طابت نفسي بهذا القدر ، اتحين الفرصة للاقتراب منها، اغيب في عبق عطرها المشعشع ،الذي يغرق الدرج طوال النهار ،وتلك من حسناتها ، فرائحته لا تطاق ، حين تتفجر بطون الأحذية الملقاة في إهمال ، فتكشف عن خليط من نتانة لا يتخيلها عقل.
في ذروة صقيع يناير أصبح الاختيار الأمثل النهوض مبكرا، أظل في تأهب ،ما إن يعوي باب شقتها حتى أهب من فوري، إنه الاندفاع الذي يأخذني فيه الشوق لمعايشة مغامرة جديدة ،يطرق كعب حذائها كنغم مرتب، تندفع في سيرها، تجري دماء الشباب في عروقها ملتهبة مفعمة ،تبدو أنيقة في كل حالاتها، فخورة بنفسها، أودع على عجل طيفها الأخاذ ، لأعود وشيء من أثرها يتخلل أعماقي ، لكني اوبخ نفسي ،لم أكن بهذه الثورة من قبل وأنا الهادئ الرزين ،كيف تسللت هذه الجنية لتنشب أظفارها في قلبي، لتنبت هذه الآمال ،تصادفنا ذات ظهيرة منتصف الدرج ،لفحني عطرها حين أهلت، أغمضت عيني ، شرع قلبي في خفقانه ، أومأت برأسها في حياء، تزايل وجهها ابتسامة ناعمة، للحظات توقف الزمن ، على الباب قابلني الحاج” عدوي” مرر أصابعه يفرك شاربه، عاجلني بابتسامته البغيضة ، مرددا :” هذا الرهوان يستحق أن يضحى لأجله بماء العيون ” ،لكزني مستخفا ومضى.
في صباح يوم احتضر فيه شتاءه، استيقظت على ضجة كبيرة ،صوت الحاج ” عدوي ، المشروخ يزعجني ،ومن أمامه وقف جارنا العجوز وقد نفرت عروقه ،يهتز جسده غاضبا، حاولت تهدئته، لكنه انفجر يذكرنا بحقوق الجيرة ،العروبة، مأساته ، كيف هجر من وطنه ، نزع عن أهله، انخلع عن جذوره، تندت عيناه بالدمع ، هدأت حدة النقاش قليلا ، تحول لعتاب لطيف ،اعتاد الفلسطيني تقديم الطعام لجيش من القطط التي استوطنت الدرج ،وبمرور الوقت تلطخت الأرضية بمخلفات تلك المائدة الدسمة ، أوساخ لزجة كريهة تراكمت، تغوص فيها الأقدام ،اقتنع جارنا بأنها الإنسانية ، لكنه لم يقتنع بالبقية، بعد أسابيع لم اكترث كثيرا بالجنية ،كنت قد انشغلت بعمل جديد ،تركت للحاج ” عدوي ” الحبل على الغارب، في كل يوم تزداد صبابته ، اعتنى بمظهره ، تناسى مخلفات القطط ، تنامت صداقته مع الجار، يردد في ارتياح :” علشان خاطر الورد”.
