
بقلم: خالد الحديدي
في مجتمعنا المعاصر، يتردد كثيرون بين الحاجة إلى التدين ووقع الإفراط فيه. التدين، بطبيعته، نور يوجه الإنسان نحو الوعي الروحي والارتقاء بالروح، لكنه حين يُمارس بشكل مفرط يتحول من وسيلة للهداية إلى عبء على العقل والروح. بعض الناس يغرقون في التدين المفرط، حتى تتحول عباداتهم إلى جرعة زائدة من الإيمان، فتظهر لديهم هلاوس سمعية وبصرية تهدد إدراكهم وتحوّل رؤيتهم للعالم إلى مشهد مشوش، بين الواقع والوهم.
الهلاوس السمعية والبصرية هنا ليست مجرد تصوير أدبي، بل انعكاس حقيقي لتأثير الإفراط على الإدراك البشري. الفرد الذي يبالغ في الطاعة قد يسمع أصواتًا تفرض عليه تفسير الأحداث اليومية على أنها رسائل إلهية، أو يرى مؤشرات في الواقع تكاد تتحول إلى علامات فوق طبيعية. هذه الحالة ليست خيالًا بحتًا، بل استجابة نفسية طبيعية للعقل الذي يغرق في الإفراط الديني، فيصبح كل حدث صغير مؤشرًا على معنى متضخم، وكل فعل طبيعي علامة على العقاب أو المكافأة.
في بعض المجتمعات، يُلاحظ أشخاص يتصرفون كأنهم تحت مراقبة مستمرة من قوة عليا، يفسرون كل تصرف من حولهم على أنه اختبار أو محنة إلهية. من يلتزمون بشكل مفرط بأعمال التعبد قد يرفضون أي تدخل عقلاني في حياتهم اليومية، معتقدين أن كل حل علمي أو اجتماعي يتناقض مع “مشيئة الله”، فتبدأ الهلاوس النفسية في تحجيم قدراتهم على التفاعل الطبيعي مع المجتمع.
الإفراط الديني لا يضر الفرد وحده، بل يمتد أثره إلى المجتمع. الأشخاص الذين يعيشون في وهم الطاعة المفرطة يصبحون غير قادرين على النقد الموضوعي، ويهيمن الخوف على سلوكياتهم، مما يخلق بيئة من الانعزال الفكري والتشدد الاجتماعي. الأطفال والمراهقون في هذه البيئة قد يرون الدين كمجموعة من القيود الصارمة التي تغلق باب الفهم الحر، وتزرع الهلاوس الرمزية في عقولهم منذ الصغر، فتتشكل رؤيتهم للحياة حول المراقبة والخوف لا الفهم والنمو الروحي.
التدين الرشيد هو الذي يوازن بين القلب والعقل، بين الطاعة والفهم، بين الالتزام الروحي والقدرة على التفاعل مع الواقع. القراءة النقدية للنصوص الدينية، الانفتاح على الحوار الثقافي، وممارسة العبادات بوعي هي أساليب تحمي الفرد من الانغماس في الإفراط الذي يولّد الهلاوس النفسية. المجتمع الصحي يشجع على التدين المتوازن، ويحول الإيمان إلى وسيلة للنور والهداية، لا إلى عبء يثقل الإدراك ويحوّل الطاعة إلى وهم.
الإفراط الديني ليس مجرد مسألة شخصية، بل قضية اجتماعية وثقافية، تؤثر على وعي الفرد والمجتمع معًا. الهلاوس السمعية والبصرية التي تولّدها هذه المبالغة تعكس كيف يمكن للطاعة أن تتحول إلى وهم يعيق الفهم، ويجعل الإنسان أسيرًا لتصوراته الداخلية. التدين الحق هو الذي يربط بين القلب والعقل، ويجعل الإنسان قادرًا على فهم الحياة بوعي، ويجعل الإيمان وسيلة للنور والهداية، لا عبئًا أو وهمًا يلتهم وعيه.
