
بقلم / سامح إدوار سعدالله
في ختام الأنشطة الصيفية التي تخدم عقول الفتيان، انتهت الإجازة الصيفية، وأُغلِقت معها الأنشطة الصيفية التي تقيمها الكنائس كل عام، تلك الأنشطة التي كانت بمثابة متنفس جميل، ومساحة غنية بالمنافسة والعطاء والتعلّم للفتيان والشباب، والتي تُختتم دائمًا بشكل مؤقت، إلى حين أن تكتمل الدورة الدراسية وتعود من جديد الإجازة الصيفية، التي تُعاد فيها الحياة لتلك الأنشطة الجميلة والشيقة والمحببة جدًا إلى قلوب المشاركين، حيث يجدون فيها ضالتهم، ويُعبّرون من خلالها عن مواهبهم، ويتبارون فيها بروح رياضية، ويتنافسون في أجواء مفعمة بالحب والانتماء، داخل الكنيسة التي تحتضنهم وتفتح لهم أبوابها، متعددة الأنشطة الثقافية و الرياضية و الدينية و الأدبية و الكورال و المسرح , وتُحيي في نفوسهم مشاعر الانتماء للكنيسة و الأسرة و الوطن، وتُقدّم لهم المرشد الروحي الذي لا يقتصر دوره على التوجيه الديني فحسب، بل يكتمل دوره الأصيل بتغذية العقول الناشئة بجرعات دسمة من الثقافة الدينية، والمعرفة الروحية، والسلوكيات المسيحية الرفيعة، التي يتم غرسها في النفوس من خلال تقديم الخدمات الروحية المتنوعة، وتدريب الفتيان على العمل والخدمة والعطاء، وبناء شخصياتهم على أسس قويمة، من خلال العديد من الأنشطة التي تجمع بين الإفادة والمتعة، وبين التعلم والترفيه، فيتلقّى الشباب من خلالها خبرات متعددة، ويرتقون فيها فكريًا وروحيًا واجتماعيًا.
ولقد أصبحت هذه الأنشطة مع مرور الوقت تقليدًا و واجبات تقام سنويًا محببًا، وركنًا أساسيًا في صيف كل فتى وكل شاب في الكنيسة، حيث لا تقتصر أهدافها على ملء أوقات الفراغ أو تسلية المشاركين، بل إنها تعمل على صناعة الإنسان من الداخل، وتنمية وعيه، وتوسيع مداركه، من خلال برامج متكاملة تخاطب الجوانب المتعددة في شخصيته، فيعيش الفتى أيام الإجازة الصيفية في جوّ متكامل، يجمع بين الرياضة والتثقيف، وبين الترفيه والخدمة، فيتعلّم كيف يخدم الآخرين، ويُسهم في بناء المجتمع، ويتلقى القدوة الحسنة من المرشدين، ويُدرَّب على الالتزام، والانضباط، واحترام الوقت، والعمل الجماعي، والمشاركة الفعّالة، وهي قيم إذا غُرست في هذه المرحلة العمرية، فإنها تصنع إنسانًا نافعًا لنفسه ولمجتمعه وكنيسته.

كما أن الأنشطة الصيفية لا تقتصر فقط على الحوارات والمحاضرات، بل تشمل أيضًا التباري في الألعاب الرياضية، والمسابقات الثقافية، والرحلات الترفيهية، والورش الفنية، والمعارض، والحملات الخدمية، وكلها تتم في أجواء من الفرح والمحبة، تحت إشراف مرشدين ومعلمين محبين، يضعون أمام أعينهم هدفًا أساسيًا، وهو خدمة الفتيان روحيًا ونفسيًا وفكريًا، ومرافقتهم في رحلتهم نحو النضج، وتنمية الشعور بالمسؤولية والانتماء لديهم، دون أن يكون ذلك بأسلوب التلقين أو الضغط، بل من خلال التفاعل اليومي والمشاركة العملية، وهو ما يحقق الأثر الأعمق في نفوسهم، ويزرع فيهم المحبة الحقيقية للكنيسة، ويجعلهم يرون فيها وطنهم الروحي، ومصدر أمنهم النفسي، وحاضنة أحلامهم ومستقبلهم.
ومع نهاية الإجازة الصيفية، تتوقف هذه الأنشطة مؤقتًا، ليس لأن دورها قد انتهى، بل لأن المرحلة الدراسية تتطلب تركيزًا من الفتيان، ويعود كل منهم إلى مدرسته، حاملًا معه أثر التجربة الجميلة، وذكريات لا تُنسى من النشاط، والعلاقات التي نمت وتوثقت، والدروس التي تعلّمها، والمواقف التي صقلته، لتبقى هذه المرحلة علامة فارقة في حياته، تعود إليه صورها ومشاعرها كلما احتاج إلى دعم أو دفعة أمل.
ولا يسعنا في ختام هذا الفصل إلا أن نعبّر عن الشكر العميق والامتنان الصادق لكل من ساهم في هذه الأنشطة من قريب أو بعيد، من المرشدين والمنظمين، والقيادات الروحية، والعاملين بصمت خلف الكواليس، الذين أعطوا من وقتهم وجهدهم وفكرهم لكي تنجح هذه الأنشطة، وتُحقّق أهدافها، ولكي يشعر كل فتى وكل شاب بأنه موضع اهتمام ورعاية، وأنه ليس وحده، بل هناك من يرعاه ويهتم به ويصغي إليه ويوجّهه ويشجّعه.
وكما نودّع هذه الأنشطة، فإننا نُعدّ العدة من الآن لاستقبال موسم جديد، نحمل فيه ما تعلّمناه من دروس، ونستفيد من تجاربنا السابقة، ونبني على النجاحات، ونعالج ما قد يكون من نواقص أو عثرات، فنطوّر البرامج، وننوّع الأنشطة، ونُشرك الشباب في التخطيط والتنفيذ، حتى تكون الأنشطة القادمة أكثر شمولًا وفاعلية، وتصل إلى عدد أكبر من المشاركين، وتُلامس احتياجاتهم الحقيقية، وتواكب تطلعاتهم وتقدّم لهم الجديد والمفيد.
وهكذا، تظل الإجازة الصيفية بالنسبة لنا أكثر من مجرد وقت للراحة، فهي فرصة ذهبية لصناعة الإنسان، أولًا لتنمية المهارات الفكرية و العقلية وثانيًا نمو الشخصية الإيجابية القيادية , و ثالثُا ولغرس القيم، ولتقديم المحبة العملية، ولتأكيد أن الكنيسة ليست مكانًا تُؤدّى فيه الصلوات فقط، بل هي حياة متكاملة، تحتضن أبناءها، وتفتح لهم الطريق نحو النضوج والتكامل، وتجعل منهم قادة المستقبل، الذين يحملون الرسالة، ويواصلون المسيرة بروح جديدة وعزم لا يفتر.
ومع كل وداع موسمي، هناك دائمًا أمل جديد، وبداية جديدة، واشتياق متجدد، لأن تعود الأنشطة، وتُفتح الأبواب، وتلتقي الوجوه التي اشتاقت لبعضها البعض، و لكن فيها يرتقي الفتي أو الفتاة لمرحلة دراسية جديدة مع انتهاء المرحلة السابقة لفكر واعي و عقلية واعية تحتوي القدر الكافي من المعرفة و التحكم وتُستعاد الأجواء التي منحتنا الأمل، وصنعت فينا الفرح، وأطلقت طاقاتنا نحو السماء.

