
طور باحثون في جامعة نورث وسترن الأمريكية نموذجًا أوليًا لنظارات ذكية قادرة على مراقبة مجموعة من المؤشرات الصحية دون الحاجة إلى بطارية، من خلال استغلال الطاقة الناتجة عن الحركات الطبيعية للوجه، مثل رمش العين والابتسام وتحريك الفك ورفع الحاجبين.
وتعتمد التقنية الجديدة على تحويل الحركات اليومية إلى طاقة كهربائية تُستخدم في تشغيل مستشعرات مدمجة داخل إطار النظارات، ما قد يمهد الطريق لتطوير أجهزة صحية قابلة للارتداء تعمل باستمرار دون الحاجة إلى إعادة الشحن.
وقالت نيفيديتا أرورا، الباحثة في جامعة نورث وسترن وقائدة المشروع، إن الوجه البشري يمثل مصدرًا غنيًا بالبيانات الصحية، وهو ما يجعل النظارات اليومية منصة مناسبة لمراقبة المؤشرات الحيوية دون مطالبة المستخدم بتغيير عاداته.
كيف تعمل نظارات GlassTENG دون بطارية؟
يحمل النموذج الأولي اسم «GlassTENG»، ويعتمد على تقنية مولدات الكهرباء النانوية الاحتكاكية، المعروفة اختصارًا باسم TENG، التي تحول التلامس والحركة بين مواد مختلفة إلى طاقة كهربائية.
وتحدث هذه العملية عندما تتلامس مادتان ثم تنفصلان، ما يؤدي إلى انتقال الإلكترونات وتوليد شحنة كهربائية يمكن الاستفادة منها في تشغيل المستشعرات.
وفي النظارات الجديدة، تتفاعل طبقات مرنة داخل المستشعرات مع حركات الوجه، لتوليد الطاقة اللازمة لتشغيل نظام الاستشعار، بدلًا من الاعتماد على بطارية تقليدية.
وتكتسب الفكرة أهمية إضافية مع انتشار استخدام النظارات عالميًا، إذ يمكن دمج تقنيات مراقبة الصحة في أداة يستخدمها ملايين الأشخاص يوميًا، دون الحاجة إلى ارتداء جهاز إضافي أو تذكر شحنه.
ثلاثة مستشعرات لرصد النبض وحركات الفك
ثبت الباحثون ثلاثة مستشعرات على إطار النظارات، بحيث يتولى كل مستشعر رصد مجموعة من الحركات والمؤشرات الصحية.
- المستشعر الأول: يقع على جسر الأنف بالقرب من الشريان الزاوي، ويُستخدم لرصد النبض ورمش العين وحركة الحاجبين.
- المستشعر الثاني: يوجد عند الصدغ فوق الشريان الصدغي السطحي، ويتتبع النبض ونشاط الفك.
- المستشعر الثالث: يقع بالقرب من الأذن، ويرصد حركات المضغ وإطباق الأسنان.
وتنتج عن الحركات المختلفة أنماط كهربائية يمكن للنظام تحليلها والتمييز بينها. ووفقًا للاختبارات، تراوحت الإشارات الناتجة عن النبض بين 50 و100 ملي فولت، بينما وصلت إشارات رمش العين ورفع الحاجبين إلى ما بين 200 و500 ملي فولت، وبلغت الإشارات الناتجة عن حركات الفك القوية 1.5 فولت.
دقة تصل إلى 93.8% في التعرف على الحركات
اختبر الفريق البحثي كفاءة النظارات باستخدام خوارزمية للتعلم الآلي دُربت على التعرف على الأنماط المختلفة، من خلال تحليل الإشارات التي جمعها النظام من 20 متطوعًا.
وأظهرت النتائج أن النموذج حقق دقة إجمالية بلغت 93.8% في تحديد الأنشطة التي يؤديها المستخدم، كما بلغت دقته 99% في التعرف على اصطكاك الأسنان، و96% في رصد إطباق الفك بقوة.
واختبر الباحثون قياس النبض بصورة منفصلة لدى 10 مشاركين في وضع الجلوس والراحة، وبالمقارنة مع حزام مرجعي لقياس النبض يُرتدى حول الصدر، بلغ متوسط الفرق في القياس 1.82 نبضة في الدقيقة.
وتشير هذه النتائج إلى إمكانات واعدة للتقنية في رصد بعض الحركات والمؤشرات الحيوية، لكنها لا تعني أن النظارات أصبحت بديلًا معتمدًا للأجهزة الطبية المتخصصة، إذ لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاختبارات والتطوير.
التحدث أثناء الطعام يكشف أحد التحديات
رغم النتائج الإيجابية، واجه النظام صعوبة في التمييز بين بعض الحركات المتشابهة، خصوصًا التحدث والمضغ، بسبب تشابه حركة الفك ونشاط العضلات المرتبطة بهما.
وأظهرت الاختبارات أن النظام تعرف على التحدث بصورة صحيحة في 55% من الحالات فقط، بينما صنفه خطأً على أنه تناول للطعام في 37% من الحالات.
ويرجع ذلك إلى أن التحدث والمضغ يشتركان في تنشيط العضلة الصدغية الموجودة على جانب الرأس، ما يجعل الفصل بين النشاطين أكثر صعوبة بالنسبة إلى الخوارزمية.
الخطوة المقبلة.. تحليل البيانات داخل النظارات
تنقل نظارات GlassTENG البيانات حاليًا إلى هاتف ذكي أو جهاز لوحي عبر تقنية البلوتوث، لكن الفريق البحثي يعمل على تطوير النظام بحيث تتم معالجة البيانات مباشرة داخل النظارات، دون الاعتماد على أجهزة خارجية.
وتتمثل الرؤية المستقبلية في تمكين النظارات من تحليل المؤشرات الصحية واكتشاف بعض الأحداث الفسيولوجية وإرسال تنبيهات فورية للمستخدم، مع الحفاظ على تصميم لا يحتاج إلى بطارية.
ومن الأمثلة التي طرحها الباحثون إمكانية اكتشاف إطباق الفك بقوة وتنبيه المستخدم إلى إرخائه، وهو ما قد يساعد في مراقبة بعض العادات المرتبطة بالإجهاد أو صرير الأسنان.
ورغم أن التقنية لا تزال في مرحلة النموذج الأولي، فإنها تقدم اتجاهًا جديدًا لتطوير الأجهزة الصحية القابلة للارتداء، عبر الاستفادة من الحركات الطبيعية للجسم لتوليد الطاقة ومراقبة المؤشرات الحيوية بصورة مستمرة.








