
دكتور / جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
كانت ولازالت وستظل القضية الفلسطينية ذلك الجرح الذي ينزف منذ عقود ولازال العالم يرقب كل ما يحدث ولا يحرك ساكناً ذلك العالم الذي سيطرت عليه شهوة التملك والسيادة وأحلام بل إن شئت الدقة فقل كوابيس التسلط المجنونة.. إن ما يحدث في غزة الآن من تجويع وتهجير وتدمير منهجي في واحدة من صور القسوة وغلظة القلوب والوحشية لإبادة شعب بل والحياة نفسها مما يدفعنا لطرح ذلك التساؤل هل مازلنا بشراً ولم نفقد إنسانيتنا؟.. أن ما يحدث في غزة من إبادة لشعب هو الأقدم من الشعب اليهودي والتي تؤكد النصوص التوراتية على أنهم أصحاب الأرض وأن وجودهم في تلك الأرض كان بكثير جداً بل إنهم هم أصحاب الأرض “اليبوسين”.. إن ما يحدث في غزة من إبادة ووحشية تدفعنا جميعاً إلى التساؤل عما يعنيه أن نكون بشراً أن حرمان الشعب الفلسطيني من الغذاء والماء والمأوى يتجاوز مجرد الأجساد أنه اعتداء على الأمل والذاكرة بل والمستقبل والوجود .. في مقال “ضياء الدين مامخرمة” بعنوان غزة جرح مفتوح في ضمير الإنسانية” صرح قائلاً لم تعد غزة اليوم مجرد مدينة محاصرة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط بل هي رمز للمعاناة التي امتدت لعقود من الاحتلال والحصار والحروب المتكررة.. واستطرد “مامخرمة” قائلاً لسنوات طويل عاش شعبها في ظل قيود خانقة ومعابر مغلقة واقتصاد مشلول وأفق محجوب إذ يتعرف أطفال غزة على صوت الطائرات الحربية قبل أن يتعرفوا على أصوات الألعاب وينشأون بين الأنقاض قبل أن يتذوقوا براءة الطفولة.. ويؤكد “مامخرمة” على أن “طوفان الأقصى” كان نقطة تحول ردت عليه إسرائيل بآلة حرب مدمرة وقصف مستمر لم يسلم منه لا المنازل ولا المدارس ولا المستشفيات وقتل وجرح الآلاف ونزحت عائلات من منازلها ودفنت الأحلام تحت الأنقاض.. ويرى “مامخرمة” أن رد إسرائيل كان قاسياً وعشوائياً ويعكس عقلية العقاب الجماعي التي تجاوزت جميع حدود القانون الدولي والمبادئ الإنسانية.. ويؤكد “مامخرمة” أن ما هو مطلوب ليس حلاً نهائياً إذ يحتاج شعب فلسطين فى غزة والضفة الغربية وفى كل مكان في العالم إلى أكثر من مجرد هدنة مؤقتة إنهم بحاجة إلى سلام شامل وعادل يعيد إليهم كرامتهم ويمنح أطفالهم الحق في العيش مثل جميع شعوب العالم الأخرى .. ويختتم “مامخرمة” مقاله بتلك العبارة قائلاً وحدة السلام العادل هو القادر على انتشال غزة من تحت الأنقاض وإعادة الحياة إلى شعبها وفتح أفق جديد للمنطقة بأسرها نحو الأمن والكرامة والسلام المشترك.. في مقال” عامر المصري” بعنوان ” الطائرات تقصف غزة ونحن نقع ضحايا في جميع أنحاء العالم” صرح قائلاً لا يوجد فرق كبير بل ربما لا يوجد فرق على الإطلاق فالأخبار وأصوات القصف والانفجاريات وصرخات الأطفال في الشوارع المدمرة كلها متشابهة الفرق الوحيد هو أن يدى غير قادرتين على لمس أمي وأخوتي.. ويؤكد “المصري” قائلاً على الرغم من أن قدمي لم تتوقف عن السير نحوهم للحظة واحدة منذ بدء الهجوم وهو ما يحدث لي دائما خلال كل هجوم على “غزة” منذ مغادرتي ولازال كذلك حتى هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا.. ويؤكد “المصري” على أنه يذهب إلى العمل في الصباح كربوت يتحرك من خلال برمجة معدة مسبقاً فهو يعرف الطريق جيداً ولكن كيف يتحدث مع الأصدقاء الذين يسألون عن عائلتي وأصدقائي وتستمر جملة واحدة في تكرار نفسها بلا توقف بشكل شبه لا واع “الحمد لله إنهم بخير” على الرغم من أنني أعرف أنهم ليسوا بخير .. ويستطرد “المصري” في سرد مشاعره قائلاً بما أن عائلتي تقيم فى الجنوب فإن كلمات الحرب والقصف والاستشهاد تجد طريقها إلى كتاباتي ويبدو الأمر غريزيا ومازلت أتساءل من أين أتى كل هذا الخوف؟ لا أعرف أى حقيقة أخرى سوى أنني لو كنت هناك لما كنت خائفاً إلى هذا الحد .. ويؤكد “المصري” قائلاً أنا الذي كتبت أربعة كتب وعشرات المقالات أجد نفسي عاجزاً عن نطق كلمة من شأنها أن تقويهم وتعزز صمودهم ما فائدة الكلمات عندما تتساقط الصواريخ من السماء؟ هل يمكن للكلمات أن تواسى من فقد أي شيء مهما كان صغيراً؟ لا يمكن للكلمات أن تعيد من رحلوا ولا يمكنها أن تحيي أحد الوالدين أو الأخ أو الأخت أو أن تعيد بناء منزل.. ويختتم المصري مقاله بتلك “العبارة لا يمكن استعادة أحلام ما قبل الحرب أثناء الحرب أو بعدها إنها تتحول إلى أحلام مختلفة تماماً ألاحظ هذا كل يوم في المحادثات مع الأصدقاء في غزة مع كل هزة وموجة خوف ومع منزل يلتمسون فيه المأوى محاولين السؤال عن أحلامي دون إدراك أن أحلامي مثل أحلامهم قد تغيرت مرة واحدة وإلى الأبد.. في مقال “جيرمى بوين” بعنوان ” رئيس الشئون الإنسانية يصرح ل “بى بى سى” “غزة الآن أسوأ من جحيم على الأرض” صرح قائلاً يقول رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن قادة العالم ملزمون بإنقاذ الأرواح في غزة .. ويؤكد “بوين” قائلاً في مقابلة أجريت في مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر فى جنيف صرحت رئيسة المنظمة “ميرجانا سبولجاريتش” بأن الإنسانية تفشل وهى تشاهد أهوال حرب غزة .. ويؤكد “بوين” قائلاً أثناء حديثي في غرفة قريبة من خزانة تعرض جوائز نوبل للسلام التي فازت بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر سألت “سبولجاريتش” عن تصريحاتها التى أدلت بها في أبريل بأن غزة “جحيم على الأرض” وما إذا كان قد حدث أي شيء منذ ذلك الحين ليغير رأيها.. واستطرد “بوين” قائلاً لقد ازداد الوضع سوءًا ولا يمكننا الاستمرار في مشاهدة ما يحدث فهو يتجاوز أي معيار مقبول أو قانون أخلاقي أو إنساني من حيث مستوى الدمار ومستوى المعاناة.





