
يمثل الألم المزمن أحد أكثر التحديات تعقيدًا في الطب، إذ قد يتعافى الجسم من إصابة أو عملية جراحية أو ضغط على أحد الأعصاب، بينما يستمر الألم لدى ملايين الأشخاص لفترات طويلة دون أن يختفي تمامًا.
وظل السؤال الذي يحير العلماء لسنوات هو: لماذا يتعافى بعض الأشخاص من الألم بعد الإصابة، بينما يتحول الألم لدى آخرين إلى حالة مزمنة ترافقهم لفترات طويلة؟
وتقدم دراسة جديدة من جامعة كاليفورنيا في إيرفاين تفسيرًا محتملًا ومفاجئًا، إذ تشير إلى أن البروتينات المرتبطة بمرض ألزهايمر قد تؤدي دورًا في الآلية التي يتحول من خلالها الألم الحاد إلى ألم مزمن.
ونُشرت الدراسة في مجلة Science Translational Medicine، وقد تفتح نتائجها الباب أمام تطوير أساليب علاجية تستهدف منع ترسخ الألم المزمن بدلًا من محاولة السيطرة عليه بعد تحوله إلى حالة مستمرة.
كيف يبدأ تحول الألم إلى حالة مزمنة؟
قاد البروفيسور دانييلي بيوميلي وفريقه البحثي الدراسة باستخدام فئران لتتبع التغيرات التي تحدث في النخاع الشوكي عقب الإصابة.
وبعد إحداث إصابة في أنسجة مخلب الفئران، لاحظ الباحثون تغيرًا في نشاط خلايا تُعرف باسم قليلات التغصن (Oligodendrocytes)، وهي خلايا تساعد على الحفاظ على غلاف الميالين الدهني الذي يحمي الألياف العصبية ويساعدها على نقل الإشارات بكفاءة.
وأظهرت التجارب أن هذه الخلايا بدأت في تقليل إنتاج الميالين بعد الإصابة، وهو ما انعكس على الألياف العصبية المحيطة بها، قبل أن تستجيب الخلايا العصبية بإنتاج كميات متزايدة من بروتينات أميلويدية تؤدي إلى تكوين بيتا-أميلويد 42.
ويُعرف هذا النوع من البروتينات على نطاق واسع بدوره في تكوين اللويحات المرتبطة بمرض ألزهايمر داخل الدماغ.
واللافت أن تراكم هذه البروتينات في النخاع الشوكي لدى الفئران ظهر في الفترة نفسها التي بدأ فيها الألم بالتحول من استجابة مؤقتة للإصابة إلى ألم مزمن.
وقال بيوميلي إن الفريق لم يكن يبحث في الأساس عن صلة بين الألم وبيولوجيا الأميلويد، لكن النتائج قادت الباحثين إلى هذا الرابط، مشيرًا إلى أن تعطيل هذا المسار أدى إلى عدم تطور الألم المزمن في نماذج الفئران.
تعطيل الأميلويد منع الألم المزمن لدى الفئران
وللتأكد من أن بيتا-أميلويد ليس مجرد مؤشر مصاحب للألم، بل عنصر أساسي في تطوره، استخدم الباحثون عدة طرق مستقلة لتعطيل المسار.
وشملت التجارب فئرانًا معدلة وراثيًا تفتقر إلى البروتين الطليعي النشواني (APP)، إلى جانب أجسام مضادة تستهدف بيتا-أميلويد، وثلاثة أدوية مختلفة كيميائيًا، بالإضافة إلى تدخلات جينية تمنع إنتاج البروتين السلائف.
وأظهرت التجارب أن تعطيل إنتاج الأميلويد خلال فترة زمنية محددة بعد الإصابة أدى إلى منع تحول الألم الحاد إلى ألم مزمن، مع بقاء الاستجابة الأولية الطبيعية للإصابة موجودة.
ويشير ذلك إلى أن الهدف المحتمل ليس إلغاء الإحساس بالألم تمامًا، لأن الألم الحاد يمثل استجابة دفاعية مهمة تساعد الجسم على التعامل مع الإصابة، وإنما منع التغيرات التي تجعل الألم يستمر بعد انتهاء مرحلة التعافي.
إنزيم محدد قد يكون مفتاح هذه العملية
تمكن الباحثون كذلك من تحديد عامل آخر يبدو أنه يؤدي دورًا أساسيًا في بدء هذه السلسلة من الأحداث، وهو إنزيم N-acylethanolamine acid amidase (NAAA).
ووجد الفريق أن هذا الإنزيم ينشط داخل خلايا قليلات التغصن عقب الإصابة، ما يرتبط بزيادة إنتاج بيتا-أميلويد.
وفي المقابل، أظهرت الفئران التي وُلدت من دون هذا الإنزيم تحديدًا في خلايا قليلات التغصن عدم ارتفاع مستويات بيتا-أميلويد وعدم تطور الألم المزمن.
كما ظهرت النتيجة نفسها في نموذج آخر لإصابة الأعصاب، ما عزز اعتقاد الباحثين بأن الآلية المكتشفة قد لا تكون مرتبطة بنوع واحد فقط من الإصابات.
وقال بيوميلي إن النتائج توفر تفسيرًا للمرحلة التي يحدث خلالها التحول من الألم الحاد إلى المزمن، وتمنح الباحثين فرصة للتدخل خلال الفترة التي لا يزال فيها هذا التحول قابلًا للعكس.
هل يمكن منع الألم المزمن قبل أن يبدأ؟
إذا ثبتت هذه النتائج لدى البشر، فقد تؤدي إلى تغيير كبير في طريقة التعامل مع الألم المزمن.
فالعلاجات المتاحة حاليًا تستهدف في الغالب الأشخاص الذين أصبح الألم لديهم مزمنًا بالفعل، بينما تقترح الدراسة نهجًا مختلفًا يقوم على تحديد التغيرات البيولوجية التي تحدث خلال فترة قصيرة بعد الإصابة والتدخل فيها لمنع الألم من أن يصبح دائمًا.
كما تثير النتائج احتمال وجود آليات مشتركة بين الألم المزمن وبعض عمليات التنكس العصبي، خاصة أن الباحثين لاحظوا بعد مرور عدة أشهر على الإصابة وجود ترسبات في النخاع الشوكي لدى الفئران تشبه إلى حد ما اللويحات المرتبطة بألزهايمر.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج لا تزال أولية، إذ أُجريت الدراسة على الحيوانات، ولا يزال من الضروري التأكد من حدوث المسار البيولوجي نفسه لدى البشر، بالإضافة إلى تحديد ما إذا كان من الممكن استهدافه بطريقة آمنة وفعالة.
وشدد بيوميلي على أن أدوية ألزهايمر الحالية لا ينبغي اعتبارها علاجًا آمنًا للألم خارج الاستخدامات التي أُقرت من أجلها، إلى حين توفر أدلة سريرية تثبت سلامة وفعالية أي علاج يستهدف هذا المسار.
ويعتزم الفريق في المرحلة المقبلة دراسة مدى انطباق هذه الآلية على البشر، وإمكانية تطوير وسائل تستهدفها خلال الفترة المبكرة التي تلي الإصابة، بهدف منع الألم من التحول إلى حالة مزمنة من الأساس.








