
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@ yahoo.com
الميلاد الرائع الذي احتفلنا به في السابع من يناير مهما كتبت عنه أجد قلمي دائما منساقاً بقوة للكتابة عنه. قبل أن أتحدث عن المولود في مزود البقر، يجب ألا أغفل عن ” الفتاة ” التي اختيرت لتحمل داخل أحشائها ثمرة فريدة من نوعها، “لم تأت بمشيئة رجل لكن بكلمة الله “، ” الفتاة مريم العذراء “، لم يكن اختيارها عشوائياً لتحمل وتلد نور العالم. سيرتها منذ بداية حياتها اختارتها وأهلتها لهذا الدور، الذي لم يكن لأي إنسانة أن تقوم به، الطهارة والنقاء الكاملان صفتان دفعتا بها لتخدم داخل الهيكل منذ طفولتها، وما جاء في القرآن الكريم، يوضح الاتفاق التام على قدسية هذه ” الفتاة ” التي اختيرت لهذا الشرف. ” يقول: وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم” أي أن السيدة العذراء مريم الوحيدة التي أُعيذت وذريتها من الشيطان الرجيم ، وأصل الخطيئة البشرية هي الشيطان ، لكن العذراء مريم لم يتمكن الشيطان من الاقتراب منها ، لأنها محاطة بالعناية الإلهية منذ قدومها للحياة ، ومن قرأ سيرة العذراء مريم يدرك أن الله كان يعدها منذ البداية لتكون والدة السيد المسيح ، ففي الإنجيل المقدس رسالة لوقا البشير يقول : “أن الملاك جبرائيل أُرسل من الله إلى “العذراء مريم” ، وبدأ رسالته بتحية إلهية “سلامُ لك أيتها المُنعم عليها .. الرب معك.. مباركة أنت في النساء ” الكلمات لا تحتاج لشرح أو تفسير، فالسيدة مريم العذراء حلت عليها النعمة الإلهية، والرب معها، ومن معه الرب لا يحتاج لشيء آخر، ومباركة أنت في النساء تعني أنها الوحيدة التي أُُعطيت بركة لم ولن يُعطى مثلها لأي سيدة أخرى. ثم يُكمل الملاك جبرائيل رسالته قائلاً: “لا تخافي يا مريم لأنك وجدت نعمة عند الله.. وها أنت تحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع.. هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعي، هذه الكلمات توضح العناية الفائقة بالعذراء والرفق بأفكارها، فأولاً بث الطمأنينة في داخلها (لا تخافي ) ثم التأكيد ثانية على نعمة الله (وجدت نعمة) ليأتي بعدها الخبر المدهش ( ها أنت تحبلين ) ثم التأكيد على أن كل شيء معد من الله حتى اسم المولود (تسمينه يسوع) ، ثم الخبر الرائع قوله (هذا يكون عظيماً وابن العلي يدعى ) . الرسالة كلها كانت غامضة وتثير الخوف والدهشة بالنسبة للفتاة العفيفة العذراء مريم فسألت الملاك جبرائيل كيف وهي عذراء لم تعرف رجلا! وأتت الإجابة تطمئنها ولتبعد الخوف عنها بقوله “الروح القدس يحلُ عليك.. وقوة العلي تظللك.. فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله “. ننتقل بالحديث عن الأم “السيدة العذراء” إلى المولود الذي أتي بطريقة معجزيه ، ، أتى بـــ “كلمة” من الله ، ففي القرآن الكريم ” إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم ” أي أن الأديان متفقة على أن المولود ” الطفل يسوع ” جاء بكلمة من عند الله ، إذ جاء في إنجيل يوحنا ” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله” ، وهنا يتحدث يوحنا عن المولود يسوع ، نفس هذه الكلمة هي التي حلت داخل السيدة مريم العذراء ” الروح القدس ” لتنمو وتكون المولود الذي أتى دون مشيئة رجل ، إذاً المولود وهو الطفل يسوع وهو أيضاً السيد المسيح ” كلمة ” . أو عهد وميثاق الله مع البشرية الخاطئة منذ خطيئة آدم وحواء. إذاً لماذا الدهشة إذا قلنا إن الطفل يسوع هو ابن الله ، البعض يفكر في البنوة على أنها العلاقة الجسدية البحتة بين رجل وامرأة ، نعم هذه كائنة بالنسبة للجنس البشري ، لكن إذا كانت الأديان تعترف بأن السيد المسيح هو كلمة الله لمريم، وأن الطفل أتي دون العلاقة الجسدية ، يجب أن نقف ونفكر في هذا الموقف غير العادي، لماذا لم يأت السيد المسيح بالعلاقة العادية بين الرجل والمرأة، كباقي الأنبياء منذ تاريخ البشرية؟! لماذا أتى بالكلمة ” العهد والميثاق “، من المؤكد أن له دور يختلف تماماً عن أدوار الأنبياء والرسل، دور لا يستطيع البشر المحمل بالخطيئة منذ خطيئة آدم وحواء القيام به، بل هو أتى خصيصاً من أجل أن يمحو عنا هذه الخطيئة. المولود في مزود البقر أتي بكلمة، والله ذاته كلمة ، والكلمة لا تتجزأ ، إذاً المولود بكلمة لا بد أن ينتمي إلى الكلمة الآمرة التي أتت به في أحشاء السيدة العذراء ، الكلمة المولودة أُرسلت من الكلمة الآمرة إلى أحشاء السيدة العذراء ، تحمل نفس صفات الكلمة المصدر ” الكلمة الآمرة ” ، لأنه لا توجد سوى كلمة واحدة منذ الأزل ، وإلى أبد الدهر ،”فالكلمة الآمرة” قوة إلهية غير محدودة ” كن فيكون ” أي أن الكلمة المُرسلة تحمل صفات الكلمة الآمرة ، لكي تتم المهمة بالكلمة المولودة التي أتت للعالم من أجلها ، فهما كلمة واحدة لا كلمتين ، فلماذا الدهشة إذا قلنا أن الكلمة المولودة نابعة من الكلمة الآمرة كبنوة روحية وليست كبنوة جسدية . فالثالوث كله ” الآب والأبن والروح القدس ” ما هو إلا كلمة واحدة، “الآب المصدر”، “الأبن المُرسل”، “الروح القدس الإرسال نفسه”، أي ينضم الثلاثة لذات الله المقدسة. المولود في المزود ولد فقيراً ، لكنه ملك متوج بالنعمة الإلهية وهو لا يزال في أحشاء السيدة العذراء ، هذا الملك المتوج بالنعمة الإلهية وصل بالإحساس إلى هيرودس الملك ، وأثار في داخله الرعب والخوف ، فأمر بقتل جميع الأطفال في بيت لحم دون السنتين ، فهربت به السيدة العذراء إلى أرض مصر ، هيرودس الملك رمز الخطيئة ، والطفل يسوع ” الكلمة ” علمنا الدرس الأول وهو الهروب من الخطيئة ، وليس مجابهتها لئلا نخور بالضعف البشري ونقع فيها ، نهرب منها حتى ولو كلفنا الهروب آلاف الأميال ، فالهرب إلى مصر لم يكن فكرة يوسف النجار ، ( لكن في حلم ظهر له ملاك الرب، قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر ) ” الكلمة الآب” أوحت إلى يوسف أن يهرب (بالكلمة الابن ) ، وهذا يؤكد فكرة الهروب من الخطيئة ، لأن “الكلمة الآب ” التي تأمر ” كن فيكون ” كانت قادرة على إهلاك هيرودس حتى لا يتعرض الصبي للأذى دون اللجوء لمشقة الهرب . هذه ” الكلمة ” هي نفسها التي أوحت للمجوس لتقديم هداياهم من الذهب واللبان والمر إلى الطفل يسوع، (ثلاث هدايا أيضا) الذهب للملك، واللبان للكهنوت والمر للتألم، حقاً المولود في مزود البقر ” كلمة “(هي نور للناس، والنور يضئ في الظلمة، والظلمة لم تدركه) كما قال عنه القديس يوحنا البشير. بالتأكيد صورة المولود بمزود البقر، تدغدغ الحواس والأفكار، وتشدهما إلى التفكير في سر ” الكلمة”.
وكل عام والعالم كله ومصر الحبيبة التي باركها السيد المسيح وأمه السيدة العذراء مريم بخير وسعادة
الأعوام لا تُسَوِد نفسها
********************* جملة تتكرر من البعض في نهاية كل عام كأسطوانة مشروخة وبالرغم من شرخها تُكرر دون عقل أو تفكير (لقد مضى هذا العام الأسود) ، قد يكون من مبدأ التكرار يعلم الشطار، ولكن أيضا قيل التكرار يعلم الحمار، وإن كانت الأولى قيلت للتحسين الشكلي، لكنني لا زلت أعتقد اعتقادا راسخا في الثانية سواء من يرددها أو من ينساق خلفها. بالتأكيد هذه الكلمات ليست عامة تصلح لكل البشر، لكنها خاصة ببشر بلادنا وعلى نطاق أوسع العالم الثالث الذي لا يريد أن يخرج من قوقعة الانهزام والفقر والجهل والتخلف والتسلق على العقائد وتحويلها إلى أحاديث تلعن الحياة ومن عليها ومن فيها. في بلاد الغرب يودعون العام المنصرم بالابتسامة ويستقبلون العام الجديد بضحكة، بشر يحكمهم العقل والفكر يعلمون جيداً أن أحداث العام سواء كانت سعيدة أو مؤسفة يصنعها البشر ولا تصنع نفسها، لا يتباكون على هزيمة، بل يسعون إلى تحقيق النصر على أي مشكلة، ونحن في الشرق نلعن الأيام وهي بريئة من خيبتنا وأعمالنا التي نريد أن نتعس بها أنفسنا. في الغرب يقولون ” لا تلعنوا الظلام، بل أضيئوا شمعة ” ونحن حتى الشمعة نحاول أن نطفئها. مجرد سؤال، هل الزمن أو بمعنى أدق الأعوام هي التي تُسَوِد الحياة كما تتباكون في نهاية كل عام، أم أعمال البشر التي تسودها وتهببها وتطينها. من الذي يبتدع الحروب والقتل، على مستوى بلادنا من الذي يفعل الجرائم ويجري على الخراب، أليس البشر هم العامل المشترك في كل حالات الدماء المراقة، تعالوا معنا نستعرض بعض وليس الكل الذي حدث خلال الأشهر القليلة الأخيرة من عام 2025، ونسأل بعدها هل العام الذي وصفناه بالسواد هو السبب، أم النفوس المريضة بالإجرام هي السبب، ما هو المبرر لقتل الآباء لأبنائهم والأدهى قتل الأمهات أيضاً لفلذات أكبادهن!!! حيث بات خبراً يومياً أساسياً تتداوله مواقع ونشرات الأخبار، أصبحنا نسمعه وكأنه أمراً مألوفاً وليس حدثاً تقشعر له الأبدان! ، جريمتان من أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية أولها: قتل الأب لطفليه بعد اصطحابهما لنزهة ثم إلقائهما في النيل! والغريب أنه ميسور الحال فلم يقتلهما لضيق العيش مثلاً أو العجز عن تلبية احتياجاتهما المادية كما هو المبرر الواهي في قصص أخري لقتل الآباء لأولادهم، المبرر المضحك المبكي كان الإزعاج الذي يسببانه له في المنزل وهو على حد قوله المريض مصاب بجرثومة المعدة التي يصاب بها غالبية المصريين! والخبر الأبشع هو قتل الأم لطفليها (خمس سنوات وستة أشهر) ثم تلتهم جريمة ثالثة أبشع، جريمة قتل محمد لجدته من أجل المخدرات، ثم جرائم متتالية، قتل الزوج لزوجته في الأسبوع الأول لشهر العسل، وقتل طالبة الطب لزميلها الذئب البشري، والزوجة الخائنة لزوجها بالاتفاق مع عشيقها وصديقه، والزوج لزوجته الخائنة، والأب القاتل لزوجته وأبنائه الثلاثة و الأسرة الكاملة المكونة من خمس أفراد، إلى آخره ! و ما دون ذلك من أخبار عن قتل الأب لابنته أثناء مشاجرة مادية بينه و بين الأم والطفلة الصغيرة بعد الاعتداء عليها و قتل الزوج الذي تحرش آخرون بامرأته علي إحدى الشواطئ إلي آخره من الأهوال التي إن دلت فلن تدل إلا علي الانحدار الحاد الذي دفع بنا و بأخلاقياتنا وأعرافنا و ديننا و إنسانيتنا إلي قاع الهاوية ، كيف تكون هذه القسوة آدمية ، وأي نوع من الآدمية هذا الذي يقتل فيها الإنسان أقرب الناس إليه بدماء لن أشبهها بالباردة ، لكنها أقرب للدماء حيوانية ، كارثة تستحق أن تنتفض لها أجهزة الدولة مجتمعة ، كارثة تستدعي عمل اجتماع طارئ لمجلس حرب ، حرب على القسوة ، حرب على التجرد من الآدمية ، حرب من أجل إعادة ترتيب الأوليات ، وإعادة تغذية المشاعر الفاضلة ، حرب على العنف الذي استشرى في المجتمع ، حرب على اللامبالاة التي أصبنا بها جميعا وجعلتنا لا نهتز أمام أي مصيبة أو كارثة، لا بد من رصد المجتمع وجرائمه والتعامل معها بجدية والوقوف علي الحلول القاطعة ؟ وأولها تطوير “الخطاب الديني “الذي وُعدنا سنوات بتجديده، ولكنه لم يتبدل به شيئاً سوي ملابس بعض الدعاة، يجب تعريف الأجيال الجديدة بجوهر دينها الحق واستردادها من الخروج عنه والتمرد عليه والنفور منه بفعل مجموعة من السفهاء المنفرين! يجب إعادة صياغة منظومة التعليم بما يليق بتطلعاتنا لمستقبل أفضل وأجيال جديدة من المتعلمين بحق ليس مجرد أعداد من الجهّال الحاملين للشهادات الجامعية! ونعيد بناء الأخلاق التي اختفت وخاصة في تلك السنوات الثقال وتحديداً لدي الأجيال الجديدة! يجب النظر إلى الفنون والثقافة والإعلام وهم في أشد الحاجة إلى التغيير والتطهير والعودة بالقيم والمبادئ والانتماء والوطنية والتكافل والقدوة الحسنة التي يتشكل بها وجدان أجيال بعينها مثلما كان بالماضي غير البعيد قبل هبوط المنحني للقاع علي أملٍ قريب بصعوده من جديد إلي القمة كما هو المعتاد علي مر التاريخ ، كل هذا مرهون بأن نستوعب ونقرأ جيدا لنميز بين الخطوط المتعرجة والخطوط المستقيمة. الخلاصة، لا يجب أن نلعن الأيام ولا الأعوام ولا الزمن على ما أتى به من شر، فالشر صناعة بشرية، والعام مجرد أوراق نتيجة تقلب يوما بعد آخر، وما نفعله من خير أو شر هو صناعة يدنا وهو الباقي لنا فإذا كان شرا فسواده نحن الذي صبغناه به ثم ببجاحه نتهمه بالسواد. كل عام وأنتم بخير، وأرجو في نهاية عام 2026، أن يكون كل ما نسمعه هو كلمات عن بياضه الشاهق وليس سواده المعتم.
