
قصة: مراد ناجح عزيز
قد يترك ..
جرح ما أثرًا غائرًا بعد التئامه, وبمرور الوقت يُصبح اعتياديًّا أن تراه, إلا أن لحظات بعينها تتوقّف أمامها عقارب السّاعة, كونها تتمتّع بأكبر قدر من زخم الأحداث, ليس فقط زخم الأحداث وإنّما تفاصيلها التي اعتادت في القلب أن تنبش أظافرها وأمام العين أن تحجب الأضواء وفي الأقدام قيد لا يُفارقها وعاصفة من الألم استعصت
أن تهدأ طوال أعوام.
كانسلاخ الجذر من باطن الأرض تركتْ أصابعها أصابعه في طريق طالما كان شاهدًا يحمل أسرابًا من الحلم والحكايات, وأوقات كثيرًا ما انتصرت سواعدها تدفع عن كاهلهم أطنان من اليأس, وأمامها طأطأ رأسه منكسرًا عجز أن يُحقق لها ولأسرتها مايُرضي حتّى وهَن واستكان أمام تلك الحقيقة التي ربّما غيّبتها عاطفة وشوق لأيّام أو لشهور, لكنّها كالنّار خامدة تحت الرّماد تنتظر فقط من يؤرّق مرقدها.
(السّاعة الواحدة) ..
ظهر يوم الاحد, شعر بحرارة الجو أكثر مما يحتمل, عكس ما اعتاده من سابق الأيّام, لا سيّما ومئات الخطوات في نفس الطّريق وحرارته, إلا وكأنّها السّماء ستائر
لا تنفذ منها أشعة الشّمس, ليجثو تحت ظِلالها حلم صغير يلهو بين جنبات حدائق من كرم وريحان, تعرّقت يداه وارتعشت تشير لها بوداع كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة, استدارت هي الأخرى كالهاربة تتخبّط في خطواتها بحثًا عن زاوية في انحناءة الطريق, وهُناك انخرطت في البكاء وقد استحالت كفوفها إلى أنية امتلأت بلؤلؤ عينيها من الدّموع.
كان عليه أن يجد وسيلة لطمس تلك اللحظات القادمة, بالفعل ودون تردد استقل سيّارة لأبعد مكان قد لا تنفذ منه دقات الطبول وآلات الموسيقى لتؤجج في رأسه
الذّكريات, وهُناك اتخذ لنفسه زاوية في إحدى المقاهي المطلة على النّيل, وعلى طاولة المقهى قدّم له النّادل قهوة, مرارة طعمها جعلته أكثر توتّرًا كونه لم يعتاد على شرب القهوة أو ارتياد المقاهي, دقائق قليلة وكأن نظرات المارة إليه عمدًا, في إشارة تشي بأن منهم من يعلم بحقيقة أمره, هكذا كان شعوره مما اضطره لمغادرة المقهى بحثًا عن وسيلة أخرى, اهتدى أن تقوده قدماه بعيدًا لمشاهدة احد أفلام دور العرض السينمائية, وأمام شاشة العرض ورغم ضخامتها ودوي إحداث الفيلم المتلاحقة, وأمام أول كلمة حب لبطلة الفيلم عادت به إلى ما يحاول الهرب منه.
الساعة الآن (الخامسة عصرًا) ..
لم يتبقّى كثيرًا, هي الآن تتهيّأ في ابهى ثيابها وبين يدي أصدقاؤها, يتهامسن في خبثٍ عن ليلة الزّفاف, وأمنيات بمد خيط الأفراح حتّى أخرهن, تعرّق وجهه رغم برودة المكان, غامت وجوه الأبطال خلف شاشة العرض, انتفض سريعًا قبل أن يكمل أحداث الفيلم الذي بدأ باختطاف البطلة ومحاولة البحث عن وسيلة لاستعادتها مهما كلف الأمر, وفي ظلمة المكان وبين الطرق الضّيّقة بين الكراسي, تسلل كالهارب من وجه لا يريد مقابلته.
الساعة الآن (السّابعة ليلًا) ..
وفي شوارع المدينة وتحت صخب الأضواء التي تقافزت بين دقائق وأخرى اثر تراجع نهار صيفي وحلول المساء, وعلى طول امتداد احد الكباري التي تصل أول المدينة بأخرها ساقته قدماه حتى نهايته, لم يشغله كثيرًا كيف وصل إلى النهاية رغم اعتياده الدّائم الضّجر والضّيق من الطّرق الطويلة وساعات الانتظار, يبدو انه فقد بعضًا من تفاصيل روحه الثّائرة.
السّاعة الآن (العاشرة مساءًا) ..
دقات الطّبول, الأغنيات, خطواتها نحو عالمها الجديد, فستان زفافها الذي طالما تراءى لها بين يديه, كلمات الشّوق واستكانتها على كتفيه, جعلته وهو البناء الحديدي كما كانت تصفه أمّه لشدّة صلابته وتحمّله, بين لحظة وأخرى استحال منزل
قديم, تُطل برأسها الشّقوق من كل أركانه وقد خارت قواه أمام عاصفة من اليأس
السّاعة الآن( الواحدة بعد منتصف الليل) ..
إلا أن صوت نادل القهوة أرّق روحه الهائمة بعيدًا, يُخبره بانتهاء وردية الليل مازِحًا: (صباح الخير يافنّان) تركتك كثيرًا لمّا وجدتك منهمِكًا في الكتابة, أطل إليه من خلف زجاج نظارته, مبتسِمًا راح يُلملم أوراقه المبعثرة على الطّاولة متمتمًا:
(جيت في وقتك) بالفعل انتهيت من آخر فصول الرّواية.
