
بقلم دكتورة / مريم المهدي
* تاريخ حافل بالحضارات :
أُطلق مصطلح القارة العجوز على أوروبا، لكونها أقدم القارات في العالم، ويعتقد البعض أن السبب الرئيس وراء هذه التسمية أن أوروبا كانت مهداً للكثير من الحضارات، بما فيها الحضارة البيزنطية والإغريقية والرومانية. كما أرجع البعض أصل التسمية إلى التكوينات الصخرية التي تعد الأقدم من الناحية الجيولوجية. من الأسباب الأخرى، أن قارة أوروبا تمتلك أعلى نسبة من المسنين وكبار السن بالنسبة للعدد الكلي لسكان القارة، حيث يصل متوسط عمر الفرد فيها إلى 80 عاماً، ويرجع ذلك إلى التطور الدائم في المعيشة والرعاية الصحية المقدمة.
تواجه أوروبا العجوز تحديات وجودية تهدد مكانتها الاقتصادية والجيوسياسية , تتمثل في ركود اقتصادي , تراجع إنتاجية,ارتفاع تكاليف الطاقة , وأزمات ديموغرافية مما يثير تساؤلات حول بداية أفول قوتها أمام الولايات المتحدة والصين كما تشير تحليلات إلى أن فشل رهانات سياسية واقتصادية مع اعتماد بيروقراطي زائد يعزز صعود الشعبوية واحتمالية التبعية للقوى العظمى.
وتعيش الآن القارة الأوروبية فى حالة يمكن ان نطلق عليها «حالة محاولة إعادة الكيان القديم»، وهو كيف يمكن الاستقلال عن الولايات المتحدة أو كيف يمكن ان يكون لبلدانها الشرقية والغربية السبعة والعشرين» رأيها المستقل فى إدارة الأزمات الإقليمية والعالمية. وهى قضية ليست سهلة فى الأوضاع الاقتصادية التى تمر بها الآن غالبية بلدان الاتحاد الأوروبي. لأنها تسعى للاستقلال عسكريا وسياسيا.
* أوروبا من القارة العجوز الي الاتحاد المنهار :-
الوقت – في ظل عاصفة المتغيرات العالمية التي تعصف بالإقليم والعالم، يبدو أن أوروبا لن تكون بعيدةً عن هذه العاصفة. فالخوف المتزايد من تفكك الإتحاد الأوروبي، يطغى على تصريحات المسؤولين السياسيين البارزين في الدول الأوروبية. وهو الأمر الذي أشار له رئيس الإتحاد بتوقعه انهياره وتفككه ، مطالباً بالعمل على المحافظة عليه. فكيف يمكن تصوير الحال الذي تعيشه أوروبا اليوم والذي يؤثر سلباً على الوحدة بين دول القارة العجوز؟

* رئيس البرلمان الأوروبي وخطر إنهيار الإتحاد :-
وقد صرح مؤخرا رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز أن بعض القوى ترغب في تفكيك وانهيار الإتحاد الأوروبي، وطالب أنصاره بالكفاح من أجل الإبقاء عليه . وأفاد مارتن شولتز لصحيفة “دي فيلت” الألمانية أن الإتحاد الأوروبي يواجه تهديدات وأن ثمة بعض القوى تسعى لتفكيكه .
* لكن لماذا يمكن ان ينهار الاتحاد الأوروبي ؟ , ولماذا لا يمكن إعتبار تصريحات رئيس الإتحاد الأوروبي، كلاماً عابراً ؟ ، من هنا لا بد من الإشارة أهم أسباب إمكانية إنهيار الإتحاد الأوروبي :_
– العديد من الأزمات تعتبر سبباً حالياً لواقعٍ يُهدد بالانهيار. ولعل الأزمة الأخطر هي التي تتعلق بأمن الحدود. فضمان أمن الحدود أو الجغرافيا السياسية للدول التي تشكل الإتحاد، تُعتبر أساساً في استمرارية هذا الإتحاد. ولأن الأزمة أكبر من هذه الدول، لا سيما بعد أن تبيَّن حجم الإختلاف في التعاطي التنفيذي للسياسات الكلية المُتفق عليها، وهو الأمر الذي يُعتبر سبباً آخر بحد ذاته. في السياسة الكلية تُصبح واقعية في حال جرى الاتفاق على التفاصيل، وهو الأمر الذي لا يمكن إطلاق وصفه على الحالة الأوروبية اليوم، مما يجعل مسألة ضمان أمن الحدود الأوروبية الجامعة أمراً شبه مستحيل.
*- الى جانب الافتقاد للتنسيق الأوروبي فيما يخص السياسة التنفيذية على صعيد تأمين سلامة الحدود، تفتقد أوروبا اليوم لما يُسمى بـ”الروح الأوروبية الجامعة”. ولعل أسباب إنعدام هذه الروح، هو الأزمات التي باتت تعيشها كلُّ دولةٍ على حدة. فبُعد التهديد الإرهابي عنها وهو الأمر الذي لم تعرفه أوروبا منذ زمنٍ طويل، جعلها تبقى ضمن خانة الحياة الرغيدة، لتكون الدول الأوروبية مثالاً للرفاهية. وبعيداً عن الأسباب التي أوصلتها لحالها اليوم، والتي تتحمل فيها السلطات الأوروبية مسؤولية ما يجري حتماً، أضحت أوروبا تعيش حالةً من الضغط الداخلي والخارجي. مما أدى لتكون الأزمات سبباً لإختلاف هذه الدول فيما بينها، وصلت لحد تقاذف الإتهامات. لنقول إن الروح الأوروبية التي كانت تسود الماضي الأوروبي لم تعد موجودة، بسبب الأزمات الطارئة على العقلية الأوروبية. وهو الأمر الذي أكده رئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر، في أواخر أيلول المنصرم، حين قال: “اتحادنا الأوروبي ليس في وضع جيد. لم يعد هناك الكثير من روح أوروبا في هذا الإتحاد، مثلما لم يعد هناك تمسك كبير بالوحدة داخل هذا الإتحاد”.
– ومن ضمن الأسباب التي أثارت الدول الأوروبية وجعلتها تتحرك من أجل كيانها المستقل هو كان موضوع «أوكرانيا» ومحاولة الولايات المتحدة حله دون مشاركة البلدان الأوروبية التي دفعها البيت الأبيض إلى الانخراط فى الحرب الروسية الاوكرانية «بالسلاح والمال والتدريب» وانسحاب كل من فرنسا وألمانيا من اتفاق مينسك الذي شاركتا فى توقيعه كضمان عدم دخول حلف الأطلنطى الى الحدود الروسية الاوكرانية. الإدارة السياسية فى الحكومات الاوروبية تختلف كثيرا عن الإدارة السياسية فى الولايات المتحدة من حيث المحاسبة الشعبية للحكومات وتحديدا فى الانتخابات. وتزداد المشكلة تعقيدا فى الحالة الأوروبية مع وجود جانب من تلك الدول السبع والعشرين ذات تقاليد ديمقراطية أكثر رسوخا من مجموعة البلدان الشرقية التي التحقت حديثا بالاتحاد الأوروبى والتى تحمل معها التقاليد الموروثة من الاتحاد السوفيتي. لقد اشتاقت تلك الدول الأوروبية الشرقية للحاق بالاتحاد الأوروبى وبلدانه فور سقوط الاتحاد السوفيتي في بداية تسعينيات القرن الماضى. وكانت أوكرانيا منهم إلا فيما يخص حلف الناتو الذى لم تسمح موسكو بوجوده على حدودها الغربية في اوكرانيا.
* ومؤخرا حاليا اليوم وصلت هذه المخاوف إلى ذروتها. فبعد وقت قصير من إلقاء القوات الأميركية القبض على مادورو، نشرت كيتي ميلر، المسؤولة السابقة في البيت الابيض وزوجة ستيفن ميلر أحد كبار مستشاري ترامب، خريطة لجرينلاند على منصة “إكس” مُغطاة بالعلم الأميركي مع تعليق من كلمة واحدة: “قريبا”، ثم أعاد ترامب تأكيد نيته ضم غرينلاند قائلا: “نحن بحاجة فعلا إلى غرينلاند، بلا شك”. غير أن ترامب لم يستبعد صراحة الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، وإذا سلكت الولايات المتحدة هذا الطريق فسينتهي حلف الناتو من الوجود فعليا بمجرد دخول أول جندي أميركي إلى أراضي غرينلاند،
* أوروبا تعيد ترتيب ولملمة « حال السبع والعشرين » لتنشئ اتحادا مستقلا سياسيا بجانب ناتو مستقل عسكرى. فهل تستطيع ؟ وإذا استطاعت فكم من الوقت تحتاج ؟
تريد استقلالا سياسيا وعسكريا عن الولايات المتحدة الأمريكية. وهل تستطيع اقتصاديا ثم ثقافيا وهى تحمل معها تراثا ثقافيا مختلفا بين شرقها وغربها ؟ :-
* بدأت بالفعل مرحلة سياسية جديدة للموقف الأوروبي المخالف للولايات المتحدة الأمريكية الذي ظهر يوم الهجوم الأخير على غزة:-
كان من الواضح أن أوروبا الموحدة التى فرحت بنفسها منذ سقوط الاتحاد السوفيتى لم تفق بعد من غيبوبتها وفرحتها من هذا السقوط. لقد استمرت تعتمد على البيت الأبيض فى خطواتها وفى سياساتها الخارجية حتى غرقت فى سياسات لاتؤمن بها شعوبها ويتضح ذلك بكل وضوح فى الموقف الأوروبى المخالف الذى ظهر لنا يوم الهجوم الأخير على غزة . يومها قال رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الهجوم تم بمعرفة البيت الأبيض فى حين صدر بيان «خافت وضعيف» يدينه من الاتحاد الأوروبي. نعم «خافت وضعيف» لأنه لا يحمل فى طياته تلك النبرة الحادة التى كانت تصدر من أى دولة أوروبية منفردة . كما يتضح فى يوم الواحد والعشرين من مارس الماضى يوم الإعلان عن البيان المشترك الصادر من البلدان الثلاثة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والخاص بالمطالبة بوقف الحرب وهجماتها الجديدة على غزة وفتح المعابر لتوصيل مستلزمات الحياة للشعب الغزاوي. وهو المشروع الذى ترفضه إسرائيل ولا يوافق عليه البيت الأبيض «حسب تصريحات ترامب المعلنة فى خطاب نيتانياهو». إنها مرحلة سياسية جديدة ليست بين دول تسعى إلى تحررها وبين الولايات المتحدة. إنما بين قارة «من 27 بلدا» يسعى لتحريرها من سيطرة الدولار وقيود مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا. هل نتذكره ؟. الخلاصة أن أوروبا تحاول الآن لملمة «حالها السبع والعشرين» لتنشئ اتحادا مستقلا سياسيا بجانب ناتو مستقل عسكرى. فهل تستطيع؟ وإذا استطاعت فكم من الوقت تحتاج؟ تريد استقلالا سياسيا وعسكريا عن الولايات المتحدة الأمريكية. وهل تستطيع اقتصاديا ثم ثقافيا وهى تحمل معها تراثا ثقافيا مختلفا بين شرقها وغربها.

