مشروع نفوذ إقليمي ودولي

بقلم دكتورة / مريم المهدي
إن أخطر ما في فزاعة ( إسرائيل الكبرى ) ليس احتمال أن تتسع جغرافياً فقط، بل أن تستخدم كذريعة لتبرير انقسام وتناحر وعجز العرب عن إنتاج مشروع مضاد واقعي وفاعل ، ان الصراع اليوم لم يعد على الخرائط وحدود الدول , بل على النفوذ وشبكات التأثير الاقتصادي ومصادر الطاقة علي اختلاف روافدها ، وإسرائيل اليوم ليست مشروع توسع أرضي بقدر ما هي مشروع نفوذ إقليمي ودولي تغلو ويتخطي على لحظات الضعف والتشرذم العربي , لينصّب نفسه شرطياً مسيطرا علي المنطقة عسكريا واقتصاديا وجغرافيا ، يعاقب من يشاء ويصافح من يشاء ، ومواجهة هذا المشروع لا تكون بالاكتفاء بالتحذير او الغضب ورفع الشعارات والادلاء بالبيانات أو استدعاء خرائط الماضي، بل ( ببناء توافق عربي مشترك ) رادع وقادر على استخدام قواعد اللعبة نفسها، وتوظيف عناصر القوة المتاحة لإعادة صياغة موازين القوى لمصلحة مشروع موحد، واقعي في أهدافه ومتكامل في أدواته.
* نتنياهو يجاهر بحلم اسرائيل :
وفي هذا الصدد جاء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي مؤخرا ، بنيامين نتنياهو، لوسائل إعلام محلية، بأنه في «مهمة تاريخية وروحية»، وأنه متمسك «جداً» برؤية إسرائيل الكبري . وتحدث عن ( الحلم الاسرائيلي ) بوصفه ( مهمة اجيال ) يسلمها جيل إلى جيل من اجل الشعب اليهودي.. ان هذه التصريحات والممارسات تعكس ايضا الوضع المأزوم للحكومة الإسرائيلية وتتزامن مع عزلتها دولياً في ظل استمرار عدوانها على غزة والضفة الغربية المحتلتين ، كما أن تصريحات نتنياهو ايضا بهدف مغازلة الداخل الإسرائيلي، ومحاولته التغطية على جرائمه وجعلها جزءاً من حلم ومهمة تاريخيّة، إضافة إلى أنه يسعى إلى عرقلة الجهود الدولية للاعتراف بدولة فلسطين». ويسعى إلى تسويق نفسه أمام الولايات المتحدة بوصفه يخوض معركة مصيرية تمس عقيدة الدولة، مما يضفي مشروعية على الحرب ويربطها بأصل المشروع الصهيوني».
* ردود الأفعال العربية على تصريحات نتنياهو :
وكان رد فعل حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ان اشعل غضباً عربياً واسعاً، وأدان الأردن تصريحاته واستنكرتها قطربوصفها «تصعيداً استفزازياً خطيراً، وتهديداً لسيادة الدول العربية ، ومخالفةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وانطلق سيل انتقادات من مواطنين عرب على وسائل التواصل الاجتماعي..وكبار كتاب وسياسين مصر اعتبروا مجاهرة نتنياهو باطماع اسرائيل في الاستيلاء على اراضي الاردن ومصر وسوريا ولبنان وغزة والضفه انتحارا سياسيا له.
وأدان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، ، تصريحات نتنياهو، عادّاً ذلك «انتهاكاً صارخاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، واعتداء سافراً على سيادة الدول ووحدة أراضيها». وأضاف في بيان أن «مثل هذه التصريحات والمخططات الخطيرة تشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي ، وتكشف بوضوح عن النهج الخطير الذي تنتهجه قوات سلطات الاحتلال» ، مطالبين بتحرك عربي للرد عليها، «باعتبارها جزءاً من مساعي نتنياهو لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط».
* متي استخدمت عبارة اسرائيل الكبري ؟؟
استخدمت عبارة اسرائيل الكبري بعد حرب الايام الستة في يونيو 1967 للاشارة الي اسرائيل ومناطق القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وشيه جزيرة سيناء في مصر ومرتفعات الجولان في سوريا .
بعد حرب عام 1967 سيطرت إسرائيل على الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وكان بوسعها، وهي المنتصرة حينها، أن تضم هذه الأراضي وتعلن مشروعها نحو “إسرائيل الكبرى” لكنها لم تفعل، والسبب أن ضم الضفة وغزة يعني أن الفلسطينيين سيشكلون قرابة نصف السكان، وهو ما يتعارض مع جوهر هويتها القائمة على يهودية الدولة، إضافة إلى أن الضم الكامل يضع على كاهلها أعباء سياسية واقتصادية وإدارية وأمنية ضخمة، لكنها اختارت بقاء تلك الأراضي تحت إدارة عسكرية أو مدنية مؤقتة تستخدم كورقة تفاوضية أو كمنطقة أمنية عازلة، لا كجزء دائم من جغرافيا الدولة .
يعدّ «الليكود» (التكتل) واحداً من أبرز الأحزاب الإسرائيلية، وهو تكتل مجموعة من الأحزاب اليمينية تَشكَّل عام 1973، بقيادة رئيس الوزراء الراحل مناحيم بيغن، وكان عموده الفقري حزب «حيروت» الذي أسّسه بيغن عام 1948، ومعه الحزب الليبرالي. وتعود جذور «حيروت» الأولى إلى «حركة الصهاينة المراجعين» أو حزب «الإصلاح» الذي أسّسه فلاديمير- زيئيف جابوتنسكي، القيادي اليميني المتطرف، بولندي الأصل، في عام 1925، ويتبعه تنظيم الـ«بيتار» الشبابي الرياضي وتنظيم الـ«إرغون» العسكري.
يوصف «الليكود» اليوم بأنه «حزب يميني ليبرالي يؤمن بفكر المحافظين الجدد»، ويرى البعض أنه أُسّس على فكرة «إسرائيل الكبرى، مع منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً». ولقد تغيّرت تركيبة الحزب في التسعينات، فباتت تضم صفوفه كثرة من ممثلي المستوطنين المتطرفين الذين يتبنون خطاباً أكثر تشدداً وتعنّتاً وصداميةً داخل إسرائيل وخارجها. يوصف «الليكود» اليوم بأنه «حزب يميني ليبرالي يؤمن بفكر المحافظين الجدد»، ويرى البعض أنه أُسّس على فكرة «إسرائيل الكبرى، مع منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً». ولقد تغيّرت تركيبة الحزب في التسعينات، فباتت تضم صفوفه كثرة من ممثلي المستوطنين المتطرفين الذين يتبنون خطاباً أكثر تشدداً وتعنّتاً وصداميةً داخل إسرائيل وخارجها.
* مزاعم عبرية مزورة لامتداد رؤية المشروع الصهيوني :
في يناير الماضي , نشرت وزارة الخارجية الاسرائيلية علي احدي منصاتها الالكترونية , خريطة مزعومة مع نعليق يزور تاريخا اسرائيليا يعود لالاف السنين , بما يتماشي مع مزاعم عبرية متكررة عن ( مملكة يهودية ) تضم اجزاء من الارض الفلسطسنية المحتلة والاردن ومصر وسوريا ولبنان .!!!
ان مجاهرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأنه في “مهمة تاريخية وروحية” مرتبطة برؤية “إسرائيل الكبرى”، حلم يُسلّم من جيل إلى جيل، على حد وصفه، هو امتداد لرؤية رافقت المشروع الصهيوني منذ أواخر القرن الـ 19 حين ولدت الحركة الصهيونية، حيث ظلت فكرة “إسرائيل الكبرى” حاضرة في بعض أدبياتها وشعاراتها، تارة في صيغة دينية توراتية تستند إلى نصوص وأساطير تاريخية، وتارة أخرى في صيغة سياسية دعائية تستهدف الحشد والتعبئة، وهي الفكرة ذاتها التي يختصرها خصومها بعبارة “من النيل إلى الفرات” لتتحول مع الوقت إلى مادة مثيرة للجدل، تستدعى في الخطاب الإسرائيلي أحياناً وفي الحملات المضادة من قبل خصوم إسرائيل في المنطقة أحياناً أخرى. والسؤال اليوم لم يعد وجود هذه الفكرة في الكتب أو الوثائق القديمة، بل عن إمكان تحققها على الأرض، فهل هي مشروع فعلي تسعى إليه اسرائيل ، أم مجرد فزاعة دعائية تستخدم لتبرير سياسات كل طرف تجاه الآخر ؟؟
* اسرائيل الكبري من وهم الخرائط الجغرافية إلى واقع النفوذ والتنفيذ :
ومنذ ذلك الحين بدا أن الخيار المفضل لإسرائيل هو إدارة النفوذ والتحكم بالمجال الحيوي من دون تحمل عبء الضم أو الاحتلال، وبالتالي فإن “إسرائيل الكبرى” بالمعنى الجغرافي التقليدي لم تكن هدفاً حقيقياً لكن “إسرائيل الكبرى” بالمعنى الوظيفي قائمة بالفعل اليوم، فالدولة الصغيرة جغرافياً والتي لا تتجاوز مساحتها 22 ألف كيلومتر مربع، تدير شبكة نفوذ تتخطى حدودها بكثير وتمتد إلى البحر الأحمر وشرق المتوسط والخليج وأفريقيا، وهي تؤثر في مسارات السياسة والأمن والاقتصاد في دول المنطقة قاطبة، وتعرف كيف تُحيد خصومها وتدير العلاقات معهم عبر اتفاقات سلام أو صفقات سلاح وغاز، أو من خلال مشاريع اقتصادية مشتركة، كما أنها في الوقت نفسه تبسط نفوذها من خلال الضربات المباشرة وإشعال الفوضى واستغلال الانقسامات ونسج التحالفات، لتكون حاضرة في كل ملف إستراتيجي في المنطقة، حتى لم يعد التوسع الجغرافي هو الغاية الأولى بل صار النفوذ هو الأهم.
* اسرائيل الكبري تحققت بالفعل وتمارس نفوذها بعربدة كيفما تشاء في كامل المنطقة دون رادع عربي او عالمي :
“إسرائيل الكبرى” قائمة اليوم وتمارس نفوذها في كامل المنطقة من دون استثناء ومن دون أي ردع يذكر، ومواجهتها تبدو أكثر تعقيداً من مواجهة احتلال تقليدي لأن الصراع يتحول من معركة جغرافية إلى معركة تغلغل وتأثير يصعب عزله أو محاصرته، وهي متفوقة في امتلاك منظومات ردع واعتراض وإنذار باكر قلصت فاعلية التهديدات الخارجية، ومكنتها من إدارة الأخطار بضربات دقيقة انتقائية كما حدث خلال احداث السويداء الأخيرة، إذ لم تتحرك إسرائيل هناك بدافع نصرة الأقلية الدرزية بل لتوجيه رسائل استباقية إلى الدولة السورية الجديدة لفرض نفوذها، وقبل ذلك كان نجاحها في تحييد إيران وأدواتها في المنطقة مما منحها هامشاً أوسع للتحرك، ورسخ تفوقها الأمني والاستخباراتي، لتثبت أن مشروع النفوذ القائم على إضعاف الخصوم وتفكيك تحالفاتهم لا يقل أثراً عن أي توسع جغرافي، بل إنه الأجدى في ترسيخ وجودها في المنطقة من الاحتلال المباشر.









