
قصة: مراد ناجح عزيز
أبدو خفيفًا اليوم ..
أتنقل على أطراف أصابعي كراقص باليه محترف, أسمعك جيّدا يامَن تتحدّث بصوت هامس في أذني متسائلًا:
– وما الغريب في ذلك؟
– ليس بالشيء الغريب بالنسبة لك, نعم حفل زفاف لابن احد الأصدقاء في قاعة تعج بشتّى أنواع العطور والألوان, لا يمثّل بالنسبة لك شيئًا, إلا أنها تمثل الكثير بالنسبة لي, فهي لحظات فارقة تندّر حدوثها في أوقات متباعدة,
– وهذا كل ما يجعلك سعيدًا؟
بالطّبع لا, ولكنّها فرصة أود اقتناصها لاستعادة ذاكرة الأوقات السّعيدة.
وأمام خِزانة ملابسي(الدّولاب) لم احتاج لوقت طويل في اختيار ما يناسب تلك الرّحلة, فقط أمعنت النّظر إليها( بدلة الزّفاف) في اشتياق التقطها وأزلت بعض ما علق بها من أتربة حتّى عاد بريقها الذي غاب عنها لسنوات, تسللت رائحة ذكرياتها العطرة تغزو مسام انفي, فمازالت رغم مرور السّنوات تحتفظ ببعضها, أغمضت عينيّا قليلا استحضر تلك اللحظات, خفيفًا اتنقّل بين طاولات الحضور لتقديم التحيّة وخطوات ودقائق أخرى كفراشة راقصة بين الزّهور, ودقائق أخرى يحملني احد الأصدقاء في نشوة منه لاعتلاء كتفيه راقصًّا, إلا أن عاينت أمام المرآة امتلاء جسدي وانتفاخ بطن لامس أعلى فخذيّا والتصاقهم, تناثر بعض الشّيب في خجل هُنا أو هُناك, وأمام رغبة ملحّة في حضور الحفل بأبهى صورة ممكنة, كان عليّ الدّخول في تلك المغامرة لارتدائها, دقائق ليست بالقليلة في محاولة لضغط جسدي وحشوه داخلها, تصبب خِلالها وجهي عرقًا وبدت أنفاسي المتلاحِقة كمن توقف بعد ماراسون لقطع مسافات طويلة, بدا صوته الهامس أكثر حِدّة من ذي قبل:
– تمهّل قبل الخروج فلم تعُد هو, كان رشيقًا يمارس بعض الرّياضات, جعلته في السّابق أكثر جمالًا وحيويّة, انظر إلى تلك الصور المعلّقة على الحائط, لا تناطح الزّمن واختر ما يناسبك الآن ربّما كان الأفضل.
– دعني الآن ليس لديّا رفاهية الوقت لمزيد من الحديث معك, ينتظرني ما هو أهم,
وتحت سماء غارقة في الألوان والموسيقى, تعددت اللقاءات قصيرها وطويلها على هامش الحفل, الكل يريد أن يتصدّر وجوده ملئ حديث عن وسامته التي مازال يحتفظ بها(إلا أنها الرّياح تأتي بما لا تشتهي السّفن) ومع استمرار الموسيقى الرّاقصة داعبتني نشوة الرّقص واستعادة ذاكرة يوم بعيد, ومع أوّل خطوات كان لها رأي آخر, إذ شعُرت بصوت تمزّق في خلفية البنطال, توقفت منزعِجًا لما حدث, إذ لم يكن أمامي حيلة إلا وان تصنّعت إصابتي ببعض دوار, جلست على إحدى الطّاولات احتفظ ببعض ما تصنّعت من إصابتي بدوار خفيف, إذ لا يوجد مبرر آخر لعدم وقوفي بين الحاضرين لفترات طويلة, مر قليل من الوقت, غامت سماء المكان بألوانها, تراجع صوت الموسيقى, تباعدت وجوه الحاضرين, اشعر بضيق المكان وأن قليلًا من الهواء يتسلل إلى رئتيّا, تهدّل هندام ملابسي بعدما أفسحت المجال لخروج قميصي حارسًا يتستّر على بعض ما حدث, بدأ انصراف بعض المدعوّين في وقت متأخر, ظفر الجميع خِلال تلك الليلة بالتقاط بعض الصِور التذكارية مع العروسين, الأمر الذي استحال حدوثه معي, إلا وكأنها انفراجة من السّماء اثر انسحاب ضوء المكان بغتة, في إشارة لموسيقى هادئة ورقصة أخيرة للعروسين, انتهزتُ تلك الفُرصة مُتلصّصًا أهرول في خطواتي على درجات السّلم الصّاعدة حتّى بوّابة الخروج, لملمت جسدي داخل توكتك توقّف بعد إشارتي له, قليلًا عاد التئام ما بعض ما بعثرته تلك الليلة من سعادة, وفي الطّريق عاد صوته من جديد كصفعات يد وجهي :
– كان عليك أن تستمع لصوت العقل يا صديقي
طأطأت رأسي مبتسِمًا, إذ لم يكن هُناك ما يجعلني أناطح قسوة كلماته وأنا أتحسس بيدي ما حدث.








