إعادة تعريف الدور في زمن الضجيج

بقلم: خالد الحديدي
حين كان الناس يطلبون العلم لا الشهرة، وكان القلم أشرف من كل منصب، كانت للمثقف هيبةٌ تشبه هيبة الضمير. لم يكن المثقف مجرد “متحدث بارع” أو “كائن تلفزيوني”، بل كان حاملًا لمهمة، وشاهدًا على عصره، ومترجمًا لقلق مجتمعه بلسان العقل لا الوجدان وحده. أما اليوم، وقد تسلّلت إلى المجال الثقافي فوضى الألقاب، وضجيج المؤثرين، وموضة المنصات السريعة، صار لزامًا علينا أن نسأل: من هو المثقف في هذا الزمن الجديد؟ وهل ما زلنا نعرفه حين نراه؟
لقد تعرّض مفهوم المثقف العربي لما يشبه الانزلاق البنيوي. لم يعد المثقف ذاك الذي “يفكر ليضيء”، بل كثيرًا ما أصبح من “يفكر ليعلو”، أو “ليُعجب”، أو “ليُصفق له الجمهور”. إنه انتقال من المثقف المنتج للمعرفة، إلى المثقف المنتج للمحتوى. من حامل القلق الوجودي إلى مدير محتوى رقمي يعرف خوارزميات الانتشار أكثر مما يعرف فلسفة كانط أو علم الاجتماع السياسي.
كان زكي نجيب محمود، في لحظة مشابهة، قد أطلق سؤاله الفاصل: “ما قيمة الفكر إن لم يُمارس في الناس؟ وما قيمة العقل إن لم يكن له أثر في سلوكهم؟”. غير أن ما نراه اليوم هو العكس: فكرٌ يُنتج للعرض، لا للتأثير؛ وعقلٌ يُدجَّن ليخدم طلب السوق، لا ليعارضه. فهل نُسمي هذا مثقفًا؟
المثقف كما فهمته الأمة في لحظات وعيها الصافي ليس من يحفظ الكتب، بل من يُجيد طرح الأسئلة الصعبة في زمن الإجابات السهلة. هو من يُقلق السائد لا من يخدمه، من يكشف التناقض لا من يجمّله، من يسير ضد التيار حين يتيقن أن التيار يقود إلى الهاوية. أما أن يتحوّل المثقف إلى صدى لجمهور، أو ناطق رسمي باسم القبيلة الأيديولوجية، فهذا خيانة مزدوجة: للمعرفة أولًا، وللأمانة الفكرية ثانيًا.
لقد صعد في عالمنا العربي ما يمكن أن نسمّيه بـ”المثقف الشعبي”، وهو الذي يجمع بين حضور الصوت، وخفة الظل، وقابلية الانتشار، لكنه في الغالب يفتقر إلى العمق المفهومي أو المرجعية الجادة. إنه يُشبه ما كان يسميه سقراط بـ”الحكمة الزائفة”: مظهر من العقل، دون جوهر. خطابٌ يملأ القاعات، لكنه لا يفتح عقلًا واحدًا.
نحن لا نحاكم النوايا، ولا نعادي الانتشار، ولكننا ندعو لإعادة تعريف المثقف بما يليق بمقامه وخطر موقعه. لا يكفي أن يكون المثقف قارئًا، بل يجب أن يكون قارئًا مفكرًا. ولا يكفي أن يكتب، بل يجب أن يواجه. فالمثقف، في حقيقته، شاهدٌ لا مجرد معلّق، مقاوم لا مُصفّق، نذير لا بوق.
وإن أردنا أن نعيد للمثقف مكانته، وجب أن نعيد له أولًا استقلاله: استقلاله عن السلطة، وعن السوق، وعن الجمهور، بل حتى عن الأيديولوجيا المغلقة. وأن نُعيد النظر في وظيفته: لا ليكون خبيرًا تقنيًا يُستدعى وقت الحاجة، بل ليكون ضميرًا يقظًا يرافق الأمة في صحوتها وسُباتها، في شكها ويقينها.
ولعلَّ أكبر امتحان يواجهه المثقف العربي اليوم ليس في قدرته على إنتاج المعرفة، بل في صموده داخل بيئة تُغريه بالتحوّل إلى “فاعل ترفيهي”، أو “مُعلّق سياسي”، أو “خطيب على منبر العاطفة”، بدلاً من أن يكون حاملًا لسؤال: “ما الذي يحدث حقًا في هذا العالم؟”، ولماذا؟ وما الدور الذي ينبغي أن ينهض به العقل في إصلاحه؟
لقد تكاثرت الأزمات من حولنا من صراعات الهوية، إلى انهيارات التعليم، إلى تطبيع التفاهة في الحياة العامة، وليس المثقف مطالبًا بأن يحلّ كل ذلك، ولكنّه، على الأقل، مُطالب بأن يُبقي جذوة الوعي مشتعلة، وأن يُذكّر الناس ولو بصوت خافت أن المعرفة ليست للعرض، بل للفعل، وأن العقل ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية.
ففي زمنٍ يلتبس فيه الإعلام بالعلم، والشهرة بالحكمة، والمحتوى بالفكر، تصبح إعادة تعريف “المثقف” ضرورةً حضارية، لا ترفًا مفاهيميًا. نُريد مثقفًا يُضيء لا يُزيّن، يُقلق لا يُسكّن، يُفكّر لا يُمَجِّد. وإذا بدا هذا الدور “متعبًا” أو “غير مربح”، فتلك عظمة المثقف الحقيقية أن يختار الصعب لأنه هو الصواب.
إننا نكتب لا لندّعي امتلاك اليقين، بل لنُعلي من قيمة السؤال. والمثقف الحقيقي، في جوهره، ليس من يملك الجواب الأخير، بل من يُتقن صياغة الأسئلة الأولى.
