
عندما أعلن الرئيس التنفيذي لشركة ميتا عن تسريح 11 ألف موظف في عام 2022، ظهر مارك زوكربيرغ، بعينين حمراوين وقال بشكل استعطافي آنذاك: “كان أحد أصعب القرارات التي اضطررت لاتخاذها خلال 18 عامًا من إدارة الشركة”.
وبإضافة هذا التسريح الجماعي الأول، تكون الشركة قد سرحت ما يقارب 25 ألف موظف في مختلف أقسامها منذ عام 2022، وشملت أحدث جولة تسريح 700 موظف، وفقًا للتقارير، طالت وحدة “رياليتي لابز” التابعة لها الأسبوع الماضي.
وبعد تسريح 11 ألف موظف في عام 2022، خفضت “ميتا” 10 آلاف وظيفة أخرى، وبدأت تجميد التوظيف خلال “عام الكفاءة” الذي أطلقه زوكربيرغ في عام 2023، بحسب تقرير لمجلة “فورتشن”.
وفي الوقت نفسه، غير زوكربيرغ نبرة خطابه، ويقول الخبراء إن سلوكه غير المتسق يضر بالموظفين الذين لا يزالون في الشركة.
وبحلول أوائل 2025، عندما أعلن عن خفض 5% من قوة “ميتا” العاملة بما يقارب 3,600 موظف، استبدل زوكربيرغ التعاطف بمنطق الأعمال البارد، قائلًا في مذكرة داخلية إن التخفيضات استهدفت أصحاب “أداء منخفض” وأنه قد رفع معايير “إدارة الأداء”.
وقال حينها: “سيكون هذا عامًا حافلًا، وأريد التأكد من وجود أفضل الأشخاص في فرقنا”.
لكن العديد من هؤلاء الموظفين الذين وُصِفوا بأداء منخفض أوضحوا لاحقًا في منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي أنهم لم يُحذروا مطلقًا من أي مشكلات تتعلق بالأداء قبل فصلهم.
وسرحت “ميتا” حوالي 600 موظف من قسم مختبرات الذكاء الفائق التابع لها أواخر العام الماضي، كما سرحت ما يقدر بنحو 1,000 موظف آخر من وحدة “رياليتي لابز” في وقت سابق من هذا العام.
قيادة متقلبة
على الرغم من عدم تعليق زوكربيرغ على عملية التسريح الأخيرة التي طالت 700 موظف، فهناك تحولًا واضحًا في نهجه تجاه عمليات التسريح منذ عام 2022، كما قال هاوينغ شو، أستاذ إدارة الأعمال في معهد ستيفنز للتكنولوجيا، لمجلة فورتشن.
وأضاف شو: “في البداية، كانت عمليات التسريح أمرًا لا مفر منه -لم يكن لديه خيار (آخر)… (و)الآن، يبدو أنها أصبحت قاعدة”.
وتابع أن هذه القيادة المتقلبة قد تزيد من ظاهرة “الاستقالة الصامتة” بين الموظفين الذين لا يزالون في الشركة وتدفعهم لفقدان الثقة في قرارات زوكربيرغ.
وبسبب تركيزه المكثف على الميتافيرس، حيث غير اسم شركته إلى “ميتا” عام 2021، وضخ مليارات الدولارات في قسم “رياليتي لابز” المتخصص في الواقع الافتراضي والميتافيرس، قد يتردد الموظفون النظر في تبني أفكار الرئيس التنفيذي الطموحة في المستقبل.
وقال شو: “ستفقد مصداقيتك بين متابعيك، لأن ما فعلته وما قلته – أمر غير متوقع وغير موثوق به لدى الموظفين، لأنك تستمر في تغيير موقفك”.
ويمكن النظر إلى عمليات التسريح أيضًا باعتبارها دليلًا على استعداد زوكربيرغ لتصحيح مساره في الميتافيرس، على الرغم من أن المبادرة كانت فكرته، كما قالت جيسيكا كريغل، كبيرة مسؤولي الاستراتيجية في شركة كالتشر بارتنرز الاستشارية، التي تقدم المشورة للشركات بشأن الاستراتيجية وتغييرات القوى العاملة.
وقالت لمجلة فورتشن: “لقد راهن بقوة على المستقبل بالميتافيرس. فقد عين عددًا كبيرًا من الموظفين. ولم يعتذر عن ذلك. وعندما لم تواكب النتائج التوقعات، أو عندما تغير السوق، لم يتراجع تدريجيًا – بل أعاد ضبط النظام بسرعة كبيرة”.
وأضافت: “الكثير من المؤسسين لم يكونوا سيفعلون الشيء نفسه”، مشيرة إلى أن “الأفكار التي يقودها المؤسسون تموت أحيانًا ببطء شديد”.
كسر “العقد النفسي”
بينما يُمكن القول إن زوكربيرغ كان رائدًا في إطلاق موجة تسريح العمال وهياكل الإدارة المسطحة في قطاع التكنولوجيا بإعلانه “عام الكفاءة” في عام 2023، فإن تغيير لهجته بشأن تسريح العمال يعكس تحولًا واسع النطاق في شركات التكنولوجيا، لا سيما مع استمرار الذكاء الاصطناعي في تغيير أساليب عملها.
وقال شو إن شركات التكنولوجيا قد كسرت “العقد النفسي” الذي كان يربطها بالموظفين في عصر ما قبل الجائحة، حيث كانت القوى العاملة الضخمة هي القاعدة، وكانت شركات مثل ميتا وغوغل وغيرها تقدم مزايا مثل قصات الشعر المجانية وأماكن القيلولة.
في عصر الذكاء الاصطناعي، تسعى الشركات جاهدة لزيادة كفاءتها واستغلال كل عامل إلى أقصى حد، مع رفع توقعات النمو في الوقت نفسه.
من جهتها، تسعى شركة ميتا إلى الوصول إلى قيمة سوقية تبلغ 9 تريليونات دولار بحلول عام 2031، أي بزيادة تتجاوز 500% عن قيمتها الحالية البالغة 1.39 تريليون دولار، وقد وعدت بعض كبار مسؤوليها التنفيذيين بمكافآت تصل إلى مئات الملايين من الدولارات لتحقيق هذا الهدف، وفقًا لتقرير صحيفة وول ستريت جورنال.
وفي الوقت نفسه، يعمل فريق الهندسة التطبيقية للذكاء الاصطناعي الجديد في الشركة بنسب توظيف تبلغ 50 موظفًا لكل مدير، وهو أعلى من المتوسط الذي كان 12.1 موظف لكل مدير في 2025، وفقًا لمؤسسة غالوب.
وأوضح شو أنه إذا لم تستطع شركات التكنولوجيا هذه ضمان الأمن الوظيفي للعاملين، فسيطالبون بمزايا أخرى، مثل مزيد من المرونة في العمل عن بُعد أو جداول العمل، بالإضافة إلى التدريب المهني.
أضاف أن التدريب بالغ الأهمية، لأنه قد يزيد من فرص حصول العامل على وظيفة أخرى لاحقًا حتى لو قام صاحب العمل الحالي بتسريحه.
أما بالنسبة لشركة ميتا، فقالت كريغل إن زوكربيرغ بحاجة إلى إعادة بعض مظاهر الاستقرار إلى الشركة لطمأنة العمال بعد عمليات التسريح.
وأضافت أن أفضل نهج هو أن يكون صريحًا بشأن الأسباب التجارية وراء هذه التسريحات دون الإفراط في الشرح، حيث يحتاج الموظفون إلى القدرة على الانخراط في رؤية الشركة للمضي قدمًا.
