
طور باحثون في اليابان مستشعرًا محمولًا منخفض التكلفة، قادرًا على اكتشاف تركيزات ضئيلة للغاية من مركبات «PFAS» المعروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية»، في خطوة قد تمهد الطريق لإجراء فحوص أولية للمياه خارج المختبرات المتخصصة باستخدام الهاتف الذكي.
وتتميز هذه المركبات بمقاومتها للتحلل الطبيعي، ما يسمح لها بالبقاء في البيئة لفترات طويلة، ويثير مخاوف بشأن تأثيراتها المحتملة على صحة الإنسان. ونُشرت نتائج الدراسة في دورية «Biosensors and Bioelectronics»، موضحة إمكانية الاستفادة من مستشعرات صغيرة لتسهيل الكشف عن هذه الملوثات.
كيف يعمل المستشعر المتصل بالهاتف؟
تعتمد التقنية على مواد اصطناعية تُعرف باسم البوليمرات المطبوعة جزيئيًا (MIPs)، صُممت للتعرف على جزيئات كيميائية محددة، بطريقة تشبه قدرة الأجسام المضادة على تمييز مواد بعينها.
وعندما ترتبط جزيئات «PFAS» بسطح المستشعر، تحدث تغيرات في التيار الكهربائي المار عبره. ويمكن تحليل هذه التغيرات لتقدير تركيز الملوثات في عينة المياه.
ولخفض تكلفة الإنتاج، استخدم الباحثون تقنية الطباعة بالشاشة الحريرية لتصنيع 100 قطب كهربائي قابل للاستخدام مرة واحدة، وطبعوها على نسيج مُعاد استخدامه خلال ساعات قليلة.
ويتصل القطب الكهربائي بجهاز صغير لقياس الخصائص الكهربائية يُعرف باسم «Potentiostat»، ويمكن توصيله بهاتف ذكي أو حاسوب محمول لقراءة القياسات وتحليلها.
المستشعر يرصد تركيزات بالغة الانخفاض
اختبر الباحثون قدرة الجهاز على اكتشاف مركبين من مركبات «PFAS» يحظيان باهتمام علمي بسبب المخاطر الصحية المحتملة المرتبطة بالتعرض لهما، وهما حمض البيرفلورو أوكتانويك (PFOA) وحمض البيرفلورو أوكتان سلفونيك (PFOS).
ووفقًا لنتائج الدراسة، تمكن المستشعر من اكتشاف المركبين عند التركيزات التالية:
- PFOA: نحو 1.11 جزء في التريليون.
- PFOS: نحو 1.63 جزء في التريليون.
وفي اختبارات أُجريت على عينات من مياه الشرب والمياه العذبة أضيفت إليها كميات معروفة من المركبات، تراوحت معدلات الاسترداد بين 88% و96%. ويُستخدم هذا المقياس لتقييم مدى قدرة طريقة التحليل على قياس الكمية الموجودة في العينة.
وتشير النتائج إلى قدرة واعدة على رصد الملوثات عند مستويات منخفضة للغاية، إلا أن تقييم دقة المستشعر وموثوقيته يتطلب مزيدًا من الاختبارات في ظروف الاستخدام الفعلي.
لماذا تثير المواد الكيميائية الأبدية القلق؟
تُعرف مركبات «PFAS» بهذا الاسم بسبب مقاومتها للتحلل الطبيعي، وهو ما قد يؤدي إلى استمرارها في البيئة لفترات طويلة. وتدخل بعض هذه المركبات في تصنيع منتجات متعددة، من بينها أواني الطهي غير اللاصقة، ومواد تغليف الأغذية، ورغوات مكافحة الحرائق.
وقد ربطت دراسات علمية التعرض لبعض مركبات «PFAS» بمخاطر صحية محتملة، تشمل اضطرابات الجهاز المناعي والنمو، وزيادة احتمالات الإصابة بأنواع معينة من السرطان.
وتعتمد الطرق التقليدية للكشف عن هذه الملوثات غالبًا على أجهزة تحليل مخبرية متخصصة، وهو ما قد يزيد التكلفة ويجعل إجراء الفحوص المتكررة أكثر صعوبة.
ومن هنا تبرز أهمية تطوير مستشعرات محمولة يمكن استخدامها في الفحوص الميدانية الأولية، بما قد يساعد الباحثين والجهات المعنية بمراقبة البيئة على اكتشاف التلوث بصورة أسهل.
هل يمكن فحص مياه الشرب بالهاتف قريبًا؟
قد تتيح هذه التقنية مستقبلًا إجراء فحوص أولية للمياه في مواقع مختلفة دون الحاجة إلى نقل كل عينة إلى مختبر متخصص. كما يمكن تعديل تصميم المستشعر ليستهدف مركبات أخرى من عائلة «PFAS»، إذا أثبتت التجارب الإضافية نجاح ذلك.
لكن الجهاز لا يزال في المرحلة التجريبية، ولم يصبح منتجًا تجاريًا متاحًا للاستخدام المنزلي على نطاق واسع.
وتظل هناك حاجة إلى التحقق من أدائه في أنواع مختلفة من المياه، ودراسة تأثير المواد الأخرى الموجودة في العينات على دقة القياسات، إلى جانب مقارنة نتائجه بطرق التحليل المخبرية المعتمدة.
وبالتالي، يمثل المستشعر خطوة واعدة نحو جعل الكشف عن الملوثات الكيميائية أكثر سهولة وأقل تكلفة، لكنه لا يُعد حتى الآن بديلًا معتمدًا للفحوص المخبرية اللازمة لتقييم سلامة مياه الشرب.








