“عرفت سوريا قمة ازدهارها في الحقبتين اليونانية والرومانية من تاريخها “
*المورخ د. فيليب حتّي

بقلم : حسني حنا
مدينة أفاميا Apamy هي إحدى المدن الأربع الكبرى التي أمر ببنائها الامبراطور سلوقوس الأول (358 – 281 ق.م ) في سوريا
تقع فهذه المدينة إلى الشمال العربي من مدينة حماة السورية،وهي تبعد عنها مسافة (55) كيلومتراً . وعلى مسافة (90) كيلومتراً إلى الجنوب من مدينة أنطاكيا عاصمة سوريا السياسية والدينية، وتعد مدينة أفاميا من أهم المواقع الأثرية في سوريا.
ارتقت في مراحل تطورها إلى مصاف العواصم .. وذكرها المؤرخون القدماء من اغريق ورومان وغيرهم.
تبلغ مساحة هذه المدينة ( 2,5) مليون متر مربع، ممتدة على هضبة مدعومة من الشمال بجبل الزاوية ، بينما تُشرف غرباً على سهل الغاب الخصيب ،الذي يجري فيه نهر العاصي ، ولهذه المدينة تاريخ طويل وأسماء أخرى منها (بلاّ) . وبعد انتصار سلوقوس في معركة ابسوس في عام (301ق.م) أعاد تأسيسها تحت اسم ( أفاميا ) نسبة الى زوجته الفارسية وهو الاسم الذي ظلّت تَعرف به الى اليوم.
أفاميا زمن مسلوقوس
أصبحت مدينة أفاميا زمن سلوقوس مدينة قوية وحصناً منيعاً ، يُحتفظ فيه بنحو (500) فيل وبالجزء الأكبر من الجيش .
أفاميا في العصر الروماني والبيزنطي.
سقطت أفاميا بيد الرومان عام (64 ق.م) وقد زادت أهميتها السياسية والعسكرية في هذا العهد، وتوسعت توسعاً كبيراً ، وكانت تستقي من الينابيع الواقعة بقربها ،قد جلب الرومان لها الماء في قنوات من مدينة السلمية محفورة في الصخر بطول نحو (120 كيلومتر) ، وقد احاط الرومان هذه المدينة بسور حجري متين يبلغ طوله ( 7 كم) تتخلله أبراج دفاعية، وقد كان لهذا السور أربع بوابات ، لم يتبقى منها اليوم إلا البوابة الشمالية.
يخترق أفاميا من الشمال إلى الجنوب شارعها العظيم بطول (1850 متراً ) وعلى جانبيه رواقان محمولان على أعمدة ضخمة، بنيت فيهما الحوانيت والمحلات التجارية ، وتمتاز أعمدة هذا الشارع بتنوعها . وجميعها تعلوها تيجان كورنثية ، تحمل أفاريز ذوات زخارف رائعة الجمال.
ومن الجدير بالذكر أن هذا الشارع لم يتم تطويره قبل نهاية القرن الثاني للميلاد . في زمن الامبراطور سبتيموس سفيروس (193 – 311م) ، و كانت على جانبي الشارع أبنية عامّة كثيرة منها الحمام الذي بناه أحد أبناء أفاميا واسمه هو (يوليوس أغريبا عام ( 116م) وقدم هدية إلى أبناء مدينته … ويتفرع من هذا الشارع العظيم مبنى الفوروم أي السوق الرئيسية التي بنيتة من الانبراطور سبتيموس سفيروس ، وقد تعرضنت لزلزال كبير حل بالمدينة في عام (1197 م ) ترك فيها دماراً كبيراً.
وفي مدينة أفاميا مسرح روماني يرقى لعصر الامبراطور سبتميوى سفيروس أيضاً، وهو يعدّ من أكبر المسارح الرومانية في العالم وتعّرض هو الآخر لتخريب الزلازل والبشرمعاً !…
السكان في أفاميا
أصبحت أفاميا في العصر الروماني مدينة تعجّ بالسكان ، ففي سنة (7م) كان فيها حوالي نصف مليون إنسان يعيشون في بحبوحة ولشدة غناهم كانوا يشربون الخمر ممزوجة بالعسل.
أفاميا في العصر البيزنطي
زاد تطوّر المدينة وازدهارها في العصر البيزنطي، وتمتّعت خلال القرن الخامس للميلاد بقترة أمن ورخاء، ارتقت فيها الی مقام عاصمة سوريا الثانية بعد مدينة انطاكيا، و اصبحت تضم عدداً من المباني الدينية أشهرها الكاتدرائية ذات الأرضيات المزينة بلوحات الفسيفساء : Mosaic و كان في أحد هذه المباني الدينية جزء من الصليب المقدس، الذي قدمه سكان أفاميا في صندوق مرصعّ بالجواهر، هدية إلى كسرى ملك الفرس، عندما غزاها عام (540م) ، فدخل المدينة دون أن يدمرها.
وقد خلّفت لنا الفترة البيزنطية مجموعة كبيرة من القصور زينت أراضيها بفسيفساء، غاية في الابداع الفني، وكان من أهمّها قصر الحاكم (التريكلينوس) وقصور أخرى عديدة هدمتها الزلازل، تم ترميم ورفع أعمدة بعضها.
أفاميا في زمن القلاقل
انتهت فترة الأمن والسلام التي تمتعت بها مدينة أفاميا، بسبب غزوات الفرس المتلاحقة، وخاصة في زمن كسرى.
إذ قام قائده ( أدازما نس) في غزوته الثانية على أفاميا عام (573م) بسلب تلك المدينة الغنّية، وأشعل فيها النار، وأرسل إلى بلاد فارس (292 الف أسير) من أهلها.
وتوالت الكوارث على أهل أفاميا ، وتعرضت المدينة لسبع هزات أرضية بين عامي (447 – 599م) وعلى الرغم من كل تلك الهزات والكوارث، فإنها كانت تبنى وتنهض من جديد.
سقوط المدينة بيد العرب
سقطت مدينة أفاميا بيد العرب المسلمين عام (638م) بعد أن دخلها أبو عبيدة بن الجراح صلحاً، ونظراً لأهمية هذه المدينة ومناعت أسوارها وحصونها المهيمنة على وادي نهر العاصي المجاور، فقد ظلت مطمعاً للأعداء ..
استرجع البيزنطيون مدينة أفاميا من العرب عام (975م) وظلت بأيديهم ثمانية عشر عاماً أي حتى عام (993م) ثم دخلها الفرنج عام ( 1106م) حتّى تمكن نور الدين بن محمود زنكي من استعادتها بعد (43 عاماً) أي في عام : (1149 م) وبعد مضي ثمانية أعوام على استعادتها من يد الفرنج ،تعرضت مع غيرها من الأقسام الشمالية من بلاد الشام، لسلسلة من الهزات الأرضية في عالي (1157 و 1170 م) التي خرّبتها، وخرّبت معها كل من مدن حماة وشيزر وحمص وأنطاكيا وغيرها .
ومن المرجّح أن مدينة أفاميا قد هُجرت إثر تلك الزلازل الرهيبة ، واقتصر الاستيطان في قلعتها، التي أعاد بناءها نور الدين زنكي فوق القلعة التي هدمتها الزلازل ، وأدخل عليها الأيوبيون والمماليك من بعدهم ،بعض الإضافات والترميمات . وفقدت أفاميا أهميتها التاريخية في العهد العثماني، وانضوت خلف أسوارها …
الاهمية التاريخية للمدينة
تعتبر مدينة أفاميا ملتقى طرق الشرق ، حطّت في رحابها شخصيات تاريخية عظيمة منها الملكة كليوباترا التي كانت عائدة من رحلة إلى نهر الفرات، حيث جاءت لاصطحاب أنطونيو ، أثناء حملة شنّها على أرمينيا وسبتميوس سفيروس، في عام (179 م ) والامبراطور (کراکللا) في عام (215 م) وكان عائداً من مصر.
وفي القرن الرابع كانت الوثنية لاتزال تطغى على سكان أفاميا المعتّزة بمدرستها الفلسفية لسالفة ، على الرغم من نشاط أساقفتها، الذين كان نفوذهم قوياً في القسطنطينية إلى أن سادت فيها المسيحية بعد ذلك .
إن آثار مدينة أفاميا ، لا تزال مُشرّعة في الهواء الطلق تحكي قصص تاريخها ومن أهما المسرح والقلعة وعدد من الكنائس ، والمسرح مهتدم اليوم بفعل الزلازل ، وهو يتراءى لنا اليوم وكأنه ركام عظيم من الحجارة الضخمة.
ويشتمل الحي المسيحي الواقع في جنوب شرق المدينة على أسس لعدد من المباني أهمها كنيسة تعرف باسم (كاتدرائية الشرق) وقصر ربما كان مسكن الحاكم .
ويتقدم الكنيسة فناء داخلي يحيطه به رواق ، وأما القصر فإنه يتألف من نحو ثمانين غرفة تحيط بباحة مُعمّدة واسعة، وكانت أرض القصر مرصوفة بفسيفساء رائعة، لكن جزءاً منها ذهب إلى بلجيكا عن طريق البعثة الأثرية البلجيكية التي كانت تنقب في المدينة وتم الاحتفاظ بالقسم الباقي منها في متحفي حماه ودمشق . و بقيت في الموقع مساحات عديدة من الفسيفساء . التي يجب وقايتها والحفاظ عليها.
وتتشكل آثار أفاميا اليوم ركاماً مشتحثاً على الأرض تراكم عبر العصور من أعمدة وتيجان وأفاريز حيث تستقيم الرؤية ويرتاح العقل والروح وسط الترميم المتواضع الذي قامت به البعثة البلجيكية ومديرية الآثار السورية.
والى جانب ذلك هناك معابد تعود إلى العهد الهلنستي وتمتد الساحة الكبرى المستطيلة ( الأغورا) وراء المعبد والى جانبها أعمدة على قواعدها الكثير من الزخرفة، وكأنها منبثقة من كأس.
وفي أفاميا بقايا حمامات رومانية وبقايا قنوات المياه وهي من الآجرّ.
وما زالت الاكتشافات في أفاميا تغني يوماً بعد يوم، لتزيد معرفتنا بهذه المدينة الخالدة، التي كانت لفترة طويلة المدينة الثانية في سوريا، ومركزاً هاماً للفلسفة. ومن الشواهد على ذلك فسيفساء تمثل الفيلسوف اليوناني سقراط.
وفي أفاميا أيضاً آثار أديرة لعبت دوراً أساسياً في نشر المسيحية في سوريا. وتظهر اليوم جدران الكنائس والأديرة وملحقاتها على الهضبة العارية، إضافة إلى نواويس حجرية. وكلها مزينة برسم اسم المسيح . وهناك معاصر زیتون. وهي دليل على خصوبة المكان قديماً . بينما لم يعد الآن شيء ينبث في هذه الديار.
وهناك استنتاج آخر تستخلصه من إكشاف كنز يحتوي على (534) قطعة نقد ذهبية، تعود لعهد متأخر ويبدو أن الموقع بقى مأهولاً بعد استيلاء العرب على أفاميا لمدة تقارب نصف قرن …
قلعة المضيق
الى الجنوب من أفاميا تقع قلعة المضيق، وهي حلقة من سلسلة المعاقل والحصون ، التي كانت تشكل خط الدفاع على طول وادي نهر العاصي… تجاورها قلعة شيزر في الجنوب، وقد شهدت هذه المنطقة صراعات دامية بين البيزنطيين والعرب وبين الفريج والمسلمين … و كانت هذه المدينة خاضعة لإمارة أنطاكيا الفرنجية قبل أن يسترجعها العرب عام (1149م) وينتصب في هذه المدينة خان تركي كان للقوافل والحجاج، وهو بحالة جيدة بعد ترميمه ، وهو اليوم متحف لمدينة أفاميا.

