
بقلم: السفير (يوسف مصطفى زادة)
لست متفائلا بنجاح مجموعة البريكس على المدى الطويل و فيما يلى الأسباب التى دفعتنى لذلك :
مجموعة البريكس (برازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا)، التي توسعت في السنوات الأخيرة لتشمل أعضاء جدد مثل مصر، إثيوبيا، إيران، الإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا في ٢٠٢٥ ، تمثل أكثر من ٤٥% من سكان العالم ونحو ٣٥ – ٣٧ % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (حسب تعادل القوة الشرائية).
رغم هذا النمو الرمزي والاقتصادي، تواجه المجموعة تحديات هيكلية عميقة تحول دون تحولها إلى قوة موحدة قادرة على تحدي النظام العالمي الغربي المهيمن.

أما الأسباب الرئيسية لعدم تفاؤلى بنجاح BRICS ، مستنداً إلى التطورات حتى ديسمبر الجارى بما في ذلك قمة كازان فى ٢٠٢٤ وقمة ريو دي جانيرو ٢٠٢٥ فهى كما يلى :
أولا :
الانقسامات الداخلية والتناقضات السياسية
أبرز علامات الضعف في البريكس هو عدم القدرة على التوافق على قضايا جوهرية، مما يعكس غياب هوية مشتركة حقيقية. في أبريل ٢٠٢٥، فشل وزراء خارجية البريكس في إصدار بيان مشترك بسبب خلافات حول إصلاح مجلس الأمن الدولي، حيث رفض الأعضاء الأفارقة الجدد (مثل إثيوبيا) دعم جنوب أفريقيا بشكل حصري، مفضلين مبدأ “الإزولويني” الذي يترك اختيار الممثل الأفريقي للأفارقة أنفسهم.
هذا الفشل غير المتوقع يبرز كيف أن التوسع السريع زاد من التنوع السياسي، مما جعل اتخاذ القرارات الموحدة أكثر صعوبة.
كما أن التوترات بين الأعضاء الرئيسيين مستمرة. رغم تحسن العلاقات الهندية-الصينية بعد اتفاق الحدود في أكتوبر ٢٠٢٤ واجتماعات لاحقة في ٢٠٢٥، إلا أن المنافسة الجيوسياسية والحدودية لا تزال قائمة. تخشى الهند من سيطرة الصين على المجموعة، خاصة مع دعم بكين وموسكو للتوسع السريع، بينما تفضل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا نهجاً أبطأ وأكثر تنظيماً. هذه الانقسامات تجعل البريكس أشبه بمنصة للمصالح الفردية أكثر من تحالف متماسك.
ثانيا :
مشكلات التوسع السريع وفقدان التماسك
التوسع من ٥ أعضاء أصليين إلى ١١ عضواً كاملاً (مع إضافة إندونيسيا في يناير ٢٠٢٥) وعدة شركاء (مثل فيتنام ونيجيريا) زاد من التنوع، لكنه عمق التعقيدات. في قمة ريو هذا العام أدى غياب قادة رئيسيين مثل الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الروسي بوتين (الذي حضر افتراضياً فقط في بعض السياقات السابقة) إلى نتائج محدودة، بدون إنجازات تحولية. كما أن إدخال فئتين للعضوية (كاملة وشريكة) يعكس محاولة لإدارة الطلبات المتزايدة، لكنه يشير إلى صعوبة الاندماج الكامل.
النقاد يرون أن هذا التوسع يجلب تنافسات إقليمية داخلية، مثل الخلافات بين السعودية والإمارات (رغم عدم انضمام السعودية رسمياً)، أو بين إثيوبيا ومصر حول مياه النيل. هذا يجعل المجموعة أكثر عرضة للانقسامات، ويحد من قدرتها على تقديم بديل موحد للمؤسسات الغربية.
ثالثا :
فشل في تحقيق تقدم حقيقي نحو إنهاء هيمنة الدولار
رغم الضجيج الإعلامي، لم تحرز البريكس تقدماً ملموساً في “إزالة الدولرة”. في قمة ريو لم يُذكر أي خطوات لعملة مشتركة أو نظام دفع بديل قوي، وتراجعت بعض الدول عن الفكرة تحت ضغط التهديدات الأمريكية بتعريفات جمركية تصل إلى ١٠٠% (كما أعلن الرئيس ترامب منذ أسابيع). مبادرات مثل “BRICS Pay” أو زيادة التجارة بالعملات المحلية محدودة التأثير، حيث يظل الدولار يسيطر على أكثر من ٥٩% من الاحتياطيات العالمية، بينما اليوان الصيني لا يتجاوز ٣-٥ %.
التهديدات الأمريكية أجبرت دولاً مثل البرازيل على التخلي عن فكرة عملة مشتركة، مما يبرز هشاشة الجهود. كما أن الاعتماد المستمر على الدولار في التجارة الداخلية للبريكس يعكس عدم الثقة الكاملة في العملات البديلة.
رابعا :
ضعف المؤسسات والإنجازات المحدودة
بنك التنمية الجديد (NDB)، أبرز إنجازات البريكس، مول أكثر من ١٢٠ مشروعاً بقيمة ٣٩ مليار دولار حتى ٢٠٢٥، مع التركيز على البنية التحتية والطاقة النظيفة. لكنه يظل صغيراً مقارنة بالبنك الدولي، ويواجه انتقادات بسبب غموض معاييره البيئية والاجتماعية، واعتماده على نفس النماذج التي ينتقدها. كما أن اتفاقية الاحتياطي الطارئ (CRA) محدودة الحجم والتأثير.
في قمة ريو الأخيرة، ركزت الإعلانات على التعاون في المناخ والذكاء الاصطناعي، لكن بدون آليات تنفيذية قوية، مما يجعل البريكس “نادي حوار” أكثر من كونها قوة تحولية.
خامسا :
السيطرة الصينية والتفاوتات الاقتصادية
تهيمن الصين اقتصادياً وسياسياً، مما يثير مخاوف الأعضاء الآخرين من تحول البريكس إلى أداة لنفوذ بكين. الاقتصادات المتنوعة (من exporter نفط مثل روسيا إلى importer مثل الهند) تجعل التنسيق صعباً، خاصة مع عدم وجود اتفاق تجاري حر شامل أو معاهدة رسمية.
الخاتمة
رغم نموها الرمزي وجذبها لدول الجنوب العالمي، تواجه البريكس تحديات هيكلية تحول دون نجاحها كبديل حقيقي للنظام الغربي: انقسامات داخلية، توسع غير مدروس، فشل في الإصلاح المالي، وضعف مؤسسي. في هذه السنة أظهرت قمة ريو أن المجموعة أقل وحدة من أي وقت مضى، مع نتائج خفيفة وغياب إدانات صريحة للولايات المتحدة أو إسرائيل. هذه العوامل تجعل البريكس عرضة للانهيار تحت وزن طموحاتها، وتبقيها مجرد منصة للتعبير عن السخط أكثر من قوة موحدة فعالة. التفاؤل بنجاحها يتطلب تجاهلاً للواقع الهيكلي، الذي يشير إلى استمرار التحديات على المدى الطويل.
