
بقلم :باسم أحمد عبد الحميد
– أنا من المغرمين بفولتير الكاتب والأديب، وأرى أنه شكَّل وجدان فرنسا ، وجعل لها موقعاً مميزاً بين الدول الأوربية والعالمية ، كما العقاد في مصر ، ومدرسة الديوان، التي تتلمذنا فيها، وتعلمنا منها، ولا تزال رافداً ثرياً لأدباء مصر، والعالم العربي..
-وفولتير في مقالات كثيرة في المعجم الفلسفي، وفي كتابه (عصر لويس الرابع عشر) ، وفي (الرسائل الفلسفية) ، وفي مقالاته عن( الشعر الملحمي) ، و(معبد الذوق) كلها تشتم فيها فولتير الناقد اكثر من فولتير الشاعر والأديب.. ويستطيع فولتير أن يمثل النقد الحقيقي، وحتي النقد بوصفه مهنة، كان كل شيئ يعده لهذا العمل، وخاصة طبيعته الأصلية؛ بوصفه أديبا وكان واعياً تمام الوعي للدور الذي على الناقد أن يلعبه مع جمهورية الأدب، ونستطيع أن نعرف مؤلفاته في النقد الأدبي، من الدور الذي حدده لنقده الخاص، أكثر من المناهج التي اتبعها، وهذا الدور له عدة أبعاد :
أولها دور اكتشاف ونشر، ومجال حب الاستطلاع لدى فولتير، وكان صراحة واسع ومتنوع جداً كما العقاد والمازني..
واشتملت صفحات الرسائل الفلسفية، والتي تحدث فيها عن الأدب الإنجليزي ، بطريقة سطحية، وبها ملابسات وأخطاء، لأن وليم شكسبير في رأيي يساوي نصف أدباء فرنسا جميعهم، ولكن لكي أكون موضوعياً ، فبفضل أسلوب( فولتير) الرشيق، جعل الفرنسيون لديهم رغبة شديدة في معرفة الشعراء الإنجليز في فرنسا، وفي إنجلترا ..
ثانيها أنه يؤكد أن عصر لويس الرابع عشر يعتبر أدبا ثالثا بعد اليوناني و الروماني، ويؤكد أن كُتَّاب هذا العصر وصلوا إلى قمة الكمال في الذوق، ويجب علينا أن ننتقي من القرن السابع عشر ما هو بحق جدير بالبقاء والخلود…
ويحب أن نناضل في الإنتاج الأدبي كل ما يزحزح الانتصارات المجيدة للمذهب( الكلاسيكي) ومبادئه العظيمة، والتي تتميز بالصفاء والنقاء والجمال والطبيعة دون تصنع أو ابتذال..
وثالثها هو محاولة تجديد النقد دون التعرض للثوابت، ويرى فولتير أن ما يؤخذ علي النقد هو اتخاذ النقاد لهذه الكلمة، للإشارة للعيوب دون المميزات، والحقيقة نقول أن هذا الأمر مزعج للغاية، وقديماً كانوا ينقدون المال، أي ينقدون السليم، من المزور، ومن هنا جاءت كلمة نقد، وسوق النقد، وصندوق النقد وهكذا..
إذن كلمة نقد تشمل الإيجابي، والسلبي، يجب إبراز الايجابي والإشارة إليه، والسلبي، ومحاولة علاجه، ووضع حلولاً لتفادي مثل هذه الأخطاء، كالانتحال والسرقات الأدبية، والتكرار، وحتى التناص يجب التعرض له بالإشارة والبيان..
ومن هنا نستطيع أن نؤكد أن الجمال الحقيقي هو نفسه، في كل الأزمنة والعصور، لان الطبيعة والعقل، لا يمكن أن يتغيرا، ويستخلص من هذا أنه يمكن تحويل الإحساس بالجمال إلى منهج، وأن يخضع له الفن، مع تبصير القراء؛ فهو – بذلك – يتبع تعميماً تاريخياً..
إلا ان فكرة نموذج الجمال ليست فريدة؛ ذلك ان هناك علاقات بين المؤلفات الأدبية والعادات والنظم وعبقرية الشعوب..
وعلى الناقد أن يتميز بالشفافية، والموضوعية، وأن يكون موسوعياً، فلقب( الناقد) لا يستحقه أكثر من ثمانين في المئة ممن يحملون هذا اللقب، فكيف يكون ناقداً ولا يعرف فن الأوزان الشعرية؟!!
أقسم لكم بالله أنه في مصر، وفي وطننا العربي الكبير، ومن شاهدتهم على شاشات التلفاز، لا يعرفون أن الشاعر لو كتب قصيدة من ألف بيت على بحر الرجز ( مستفعلن) ، وكتب بها تفعيلة واحدة على بحر الكامل ( متفاعلن) ، لتحولت القصيدة من الرجز الى الكامل!!
وآخر يجادلني ولا يعرف الفرق بين الإضمار والعصب، ويقسم أن الوافر التام تفعيلته الأخيرة لا تأتي إلا علي مفاعل = فعولن وأن القطف هذا الذي أتحدث عنه وهو حذف السبب الأخير وتسكين ما قبله، هو اختراع مني، وأن الخليل بن أحمد الفراهيدي برىء منه!!
ربالرغم من هذا كله فمصر ولاَّدة وربي، بها من النقاد من يستحق.. اساتذتي الأجلاء الأستاذ الدكتور محمد فايد أحمد هيكل بارك الله في عمره، والناقد الاستاذ عمرو الزيات، والأستاذ الدكتور حسام عقل، والناقد الأردني الشاب ساجي محمد القرعان، والشاعر الناقد الشاب ثائر عرار، هؤلاء كوكبة لا يهابون النقد، ولا يخشون في الحق لومة لائم،..
واختتم بما قاله الشاعر الكبير محمود حسن، ياحظهُ مَنْ حَظِي بناقدٍ يعرف معنى كلمة النقد، قلبه لا يميل إلا للحق، لأن المجد الحقيقي دائماً للنص….
