
الباحثة: د. آمال بوحرب
في عالم يشهد تسارعًا تكنولوجيًا غير مسبوق وتحولات اجتماعية جذرية، يجد الإنسان نفسه في مواجهة أزمة وجودية حادة تتجلى في فقدان المعنى. لم تعد المنظومات الفكرية والفلسفية التقليدية قادرة على مواكبة هذا الانزياح العميق في بنية الوعي الجمعي، بل إنّ ما يُعرف باليقينيات الكبرى قد فقد شرعيته أمام واقع متشظٍ ومفتوح على كل الاحتمالات. ضمن هذا الإطار، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك أزمة المعنى بوصفها إحدى الإشكاليات المركزية في الفكر المعاصر، من خلال قراءة نقدية تستند إلى مقاربات فلسفية وحديثة.
تفكيك سرديات المعنى التقليدية
على امتداد التاريخ البشري، لعبت السرديات الكبرى دورًا أساسيًا في منح الحياة معناها، سواء من خلال العقائد الدينية أو النظريات الفلسفية أو الأيديولوجيات السياسية. لكن مع بروز ما بعد الحداثة، كما يشير جان فرانسوا ليوتار، شهد العالم تفكك هذه السرديات لصالح سرديات فردية مفتتة لا ترتكز على مرجعية موحدة. هذا التفكك أسفر عن فراغ دلالي جعل الإنسان المعاصر عرضة للعبث واللاجدوى، خصوصًا في ظل عالم تحكمه الحروب العبثية، والأزمات البيئية، والتفاوتات الاقتصادية الجائرة.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذا السياق مفاده: هل يمكن بناء معنى فردي في عالم لم يعد يؤمن بمعنى جماعي؟
إن محاولات الفرد لتشييد منظومة دلالية خاصة به قد تصطدم بخطر الانكفاء على الذات والانفصال عن الواقع، مما يفاقم من مشاعر العزلة والاغتراب الوجودي.
المعنى بين العقلانية الأداتية والمسؤولية الأخلاقية
يرى يورغن هابرماس أن الحداثة العقلانية أفرزت نمطًا من العقلانية الأداتية التي اختزلت الإنسان في كونه كائنًا وظيفيًا محكومًا بمنطق السوق والأداء والإنتاجية. في المقابل، تفتح الفلسفة الأخلاقية، كما لدى إيمانويل ليفيناس، أفقًا مغايرًا للمعنى يقوم على المسؤولية تجاه “الآخر”. فالوجه الإنساني الآخر، وفق ليفيناس، يستدعي استجابة أخلاقية تمنح الوجود بُعدًا يتجاوز الذاتية.
إلا أن هذا الطرح يواجه تحديات في عصر الشبكات الرقمية، حيث بات “الآخر” مجرد صورة على شاشة، وتقلصت قدرة الإنسان على إقامة علاقة أخلاقية حقيقية مع من حوله. من هنا، يمكن القول إن المعنى لا يُخلق في فراغ، بل ينبثق من تفاعل جدلي بين الذات والعالم، ما يعني أن أي مشروع للمعنى معزول عن السياق الاجتماعي والتاريخي يظل مشروعًا هشًا وغير قابل للاستمرار.
المعنى كفعل تمرد أو إبداع
تتعدد المواقف الفلسفية تجاه اللامعنى، بين من يختار التمرد العبثي على الواقع كما عند ألبير كامو، ومن يرى في الإبداع الوجودي وسيلة لتجاوز العبث عبر إنتاج المعنى. إلا أن كلا الطرحين لا يخلو من المفارقات. فكيف يمكن للتمرد العبثي أن يؤسس لمعنى وهو قائم على الرفض التام لأي مرجعية مسبقة؟ كما أن الرهان على الإبداع الفردي يفترض توفر إمكانات ثقافية ونفسية ومادية ليست بالضرورة في متناول الجميع.
وأخيرًا
أزمة المعنى في العصر الراهن ليست عرضًا جانبيًا، بل هي جوهر أزمة الإنسان في الحداثة المتأخرة. لا يمكن الركون إلى إجابة واحدة أو وصفة جاهزة لتجاوز هذا الإشكال، ولكن يمكن الانطلاق من وعي نقدي بالواقع وتفكيك أنماط التفكير الجامدة. فالمعنى اليوم لا يُكتشف كجوهر ثابت، بل يُنتج باستمرار في تفاعل حي بين الذات والعالم.
كما يقول بول ريكور: “المعنى لا يُمنح، بل يُصنع”. وهو ما يؤكده أيضًا هانس بلومنبرغ حين يرى أن الإنسان “كائن يخلق الرمزية ليصنع توازنه في عالم هشّ”.
في انتظار سرديات جديدة قادرة على احتواء التعددية وتحفيز الإنسان على الاستمرار، يبقى سؤال المعنى مفتوحًا، ومرتبطًا بإرادة الفهم وإبداع الحياة وسط التفكك
