
بقلم سميرلوبه
في حارةٍ شعبيةٍ عتيقةٍ، من تلك الحواري التي تقطن قلب حي الحضرة في الإسكندرية ، وتحديدًا تلك الحارات التي تلامس أنفاس محطة قطار الحضرة العتيقة، ويطلقون عليها شارع البابور، تقبع البيوت شهودًا على زمنٍ لم يعد يسير مع القطار، بل ظلّ مُعلقًا في الشقوق، في الطلاء المتآكل، وفي رائحة خبز الفرن البلدي.
البيوت هنا باقيةٌ تقاوم.
واجهاتٌ من حجرٍ أبيضَ متآكل، بينه فراغات تتسلل منها النباتات البرية كأنها تبحث عن وطنٍ أخضرَ في قلب الخراب، شرفاتٌ خشبيةٌ تصرخ صريرًا كلما داعبتها رياح الشتاء، والسقف المائل قد انحنى من الحياء أو من ثقل السنين، لا أحد يدري.
في الغسيل المتدلّي من حبال الصدأ حكاياتٌ مُعلّقةٌ على مشاجب الزمن، جلبابٌ مقطّعٌ لمسنٍ لا يغادر الحارة، عباءةٌ باهتة لامرأةٍ لا تُغلق بابها، سروالٌ رجالي داكنٌ لرجلٍ لم يعد في حاجةٍ إليه قفطانه يكفي فحرارة الصيف شديدة.
الحارة ضيقة كأنها تنفس بحشرجة في صدر المدينة، غير أنها فسيحةٌ في الحكايات، الرصيف هنا مسرحٌ، عنده يجلس الشيخ ” علي بيحة ” على مقعده الخشبي المشروخ منذ عصر عبد الناصر، يدخن سيجارة كليوباترا، ويراقب كل شيء بنظرةٍ نصف عمياء، ملامحه منحوتة كحجر بيوت الحارة ، بشاربٍ أبيضَ هشٍّ ، وجلبابً رماديًا كان أبيض ذات يومٍ ، صوته خشنٌ جهوري لا يعرف الهمس، تمرّ من أمامه “نعناعة” بائعة البليلة عجوز تخطّت الستين ، بظهرٍ محنيّ في عينيها بريقٌ لا يذوي، ترتدي جلبابًا مزركشًا بألوانٍ سافرة، تتحدى به رماد الزمن، تلف شعرها بطرحةٍ خضراء، تدفع عربةً خشبيةً تستقر في قلبها قِدرة البليلة المغلقة بكرةٍ من الخيش ، يناديها الشيخ علي لتضع له بليلة في كوزٍ بلاستيكي وينادي عوض القهوجي ليقلب له البليلة بمعلقتين سكر، “عوض القهوجي” صبي القهوة الذي لم يكبر، كأنه نبتة بريّة تنمو بلا عمرٍ، نحيفٌ كعود القصب، يرتدي قميصًا قطنياً مفتوح الأزرار، وسروالًا أزرقَ متّسخ الركبتين، عيناه صغيرتان متلصصتان، كأنهما كاميرتان دائمًا على وضع تسجيل، يجري بين الكراسي يحمل المشاريب، ويتهامس مع الشباب عن كل شيء، الكرة والاتحاد سيد البلد، أسرار نساء الحارة، حتى مواعيد القطارات، أما ” فاطنة البيضا ” فهي سيدة الحارة المتربعة على عرش الحكايات، حسناء في الأربعين، جميلة بمعايير الغبار والضوء الشحيح، شعرها يفرّ من تحت طرحةٍ سوداءَ إلى الخد، وعيناها محاطة بهالةٍ من كحلٍ صارخٍ، كأنها خرجت من فيلمٍ قديمٍ لا يزال يُعرَض في خيالها، تهزّ مشيتها النوافذ، وتثير لغطًا كلما مرّت، قبل الغروب يجلجل الحارة بصوت صاجاته النحاسية “عم طلبة” بائع العرقسوس بسروالٍ أسودَ واسعٍ وصديري مغلقة أزراره يلف حزامًا جلديًا على قِربة العرقسوس المغطاة بكرةٍ من خيشٍ مبللٍ لتستقر على بطنه، وبصوته الخشن ينادي الشيخ علي بيحة على عم طلبة ليملأ له الكوز البلاستيكي بالعرقسوس، يحلّ المساء ، وفي الليل تصير الحارة قصيدةً كئيبةً يكتبها القطّار بصريره على القضبان ، يتسلل الضوء الأصفر خافتًا من مصابيح هزيلة ، لا تضيء بل توشوش ظلام الحارة ، الأصوات تتحول إلى همهماتٍ، ضحكٌ مكتومٌ، سعال عجوزٍ، مواء قططٍ، وصوت نايٍ شجيّ يأتي من كشكٍ صفيحٍ معلقٍ فوق أحد الأسطح لعاشقٍ لم يعثر على معشوقته لفقره.
حارة فيها تفاصيل حياةٍ تتنفس بالكاد، لكنها تصرخ صمتًا، صمتًا يوجع من فرط ما فيه من صدق.
هنا الحارة لا تُروى بل تُعاش.
ومن يتورط في النظر إليها لن يخرج كما دخل.
