
بقلم سمير لوبه
يوم الأثنين، الساعة التاسعة مساءً.
الرصيف رقم (٢)
امرأةٌ في معطفٍ أسود
صوت القطار يمزّق الضباب، على الرصيف يتوقف، تغادره الركاب.
هي لا تتحرك.
فقط ترفع يدها ببطءٍ، تلوّح بصمتٍ
لا تجرؤ دمعتها على السقوط.
يمرُّ الوقت، يصمت الرصيف ذلك الصمت الذي لا يكسره سوى صوت حذاءٍ وحيدٍ على رصيفٍ مبتل.
لم يكن هذا موعدًا لقطارٍ عادي.
هي تعود إلى المحطة في اليوم ذاته من كل أسبوع.
في الموعد ذاته.
بالملابس ذاتها تقريبًا.
تمشي بهدوءٍ إلى الرصيف رقم (٢).
تنتظر، ولا تكلف نفسها عناء السؤال.
لا أحد يفهم لماذا تفعل ذلك.
تمضي الليلة، وتنسحب من الرصيف بخطى مبللةٍ بالحزن.
في ذات الموعد من الأسبوع التالي ستعود.
رائحة الليل الثقيلة تتسلل من ضبابٍ خاملٍ، لا ريح فيه ولا وعد.
وحدها تقف هناك، تحت الضوء الأصفر المرتعش، امرأة نسيها الزمن عند رصيف المغادرين، لم تكن تنتظر قطارًا بل ذكرى.
كل من في المحطة يعرفها؛ عامل النظافة العجوز ينحني لها برأسه دون كلام.
في كل أسبوعٍ تفعل الشيء ذاته:
تقف.
ترفع عينيها إلى البعيد.
تحدق في العتمة، وحين يتوقف القطار
تلوح.
قبل سنواتٍ غادر.
وقف عند حافة العربة، أخرج رأسه من النافذة،
لوح لها بيدٍ مرتجفةٍ :
- راجع يوم الاثنين، انتظريني
قالها بابتسامةٍ تسع الحياة، وهي تصدقه؛ فالحب لا يحتاج إلى دليلٍ.
في البداية، كتب لها كل أسبوعٍ
يحكي عن البرد، عن النوم في الخنادق، عن رائحة البارود..
خفَّت الرسائل، ثم قلَّت، ثم انقطعت.
كل الاحتمالات، حتى أغربها تقبلها إلا احتمالًا واحدًا
ومنذ ذلك اليوم، تنتظر..
يقول أخر من رآها إنها كانت تبتسم ، كأن القطار الأخير حمل له وجهًا تعرفه.
ومازال رصيف رقم ( 2 ) يحفظ الحكاية.
حكاية امرأة، تحبُّ رجلاً عاد مع القطار.
لكنها الوحيدة التي رأته.
