
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@yahoo.com
هذه الذكرى أصبحت أفكر فيها حتى الآن على أنها الواقع الخيالي أو الخيال الواقعي ، أو كفيلم أكشن لمخرج عبقري ، فمن يصدق أن أربع طائرات تُختطف في وقت واحد لتهاجم برجي التجارة العالمي والثالثة تهاجم وزارة الدفاع الأمريكية ” البنتاجون ” والرابعة كانت نيتها مهاجمة البيت الأبيض لكنها سقطت في بنسلفانيا ، لو أن هذا حدث في بلد من بلدان التخلف ما تعجبت ، لكن هذا حدث بالفعل في أمريكا فهو أعجوبة تفوق العجائب السبع ، أمريكا التي يهز أسمها العالم تقع فريسة لعمل إرهابي يخطف أرواح الألاف وفي دقائق يحول البرجين الشاهقين إلى كتلة من النيران يذوب حديدها كقطعة من الزبد فهذا شيء يفوق الخيال بالفعل ، بعد كل هذه السنوات كلما تذكرت هذا الحدث أظن نفسي في كابوس وسأستيقظ منه ، حدث أدى إلى تغيير العالم كله ، لقد أصبح الخوف هو الشعار السائد ، تحول السفر خلال المطارات إلى عذاب ، الأمن لا يتورع عن تعرية أي مسافر لمجرد الاشتباه فيه والأحذية دائما متهمة ، لكن هل كان هذا درسا مستفادا ليتوحد العالم كله ضد الإرهاب ؟ ، لا أعتقد ، فلا زلنا حتى اليوم نجد من يشجع الإرهاب من أجل مصالحه الشخصية ، ولذا من المتوقع في أي وقت أن تكون ضربة أخرى أقوى وأفظع من الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا أو غيرها ، فما أقسى أن يتحول الدرس إلى مجرد هتافات وشعارات تذريها الرياح . دائما الأجواء السبتمبرية توحي بأن الخريف على الأبواب؛ ومن باب الخوف توحي بأن أحداث سبتمبر ستتكرر ثانية ؛ وتأتي بالصورة كلها وتُعيد إلى الأذهان الانهيار العظيم لبرجي التجارة وما خلفه من ضحايا ومصابين ، تغيرات حدثت لا أكون قد بعدت عن الحقيقة إذا قلت بأنها شملت العالم كله ، نظرة جديدة أو تعريف جديد للإسلام حاد عن المنطق الصحيح بالتعميم ولم يوَصِفَ الحدث توصيفاً دقيقاً لم يفرق بين الدين كعقيدة والإرهاب الذي استخدم العقيدة كعباءة تخفي أغراضه الدموية الدنسة . الحادي عشر من سبتمبر، إذا أردنا تسمية مضبوطة للحدث ذاته وتوصيف دقيق لمن يسأل حتى الآن ” لماذا ” هذه البشاعة، أقول له أن الإجابة السليمة يمكن تلخيصها في مقولة ” السحر الذي انقلب على الساحر “. حدث سبتمبر الذي لا أعتقد أنه سيُنسى سريعاً، بل الاعتقاد الأكبر أنه لن يمحى من ذاكرة التاريخ ويفتح أمامنا الحديث ليس عن الحدث نفسه فلقد قيل عنه ما يملأ المجلدات، لكنه يفتح الحديث على مصراعيه أمام أداة من أدوات الاستفهام ” لماذا؟ ” التي كثيراً ما نفتقد الإجابة الصحيحة عنها في أمور العالم الحالي ، لكن في موضوع الإرهاب الذي تحول إلى مرض سرطاني عالمي بكل أوجاعه وألآمه فإن الإجابة واضحة كل الوضوح ، والعلاج منه لا يستلزم سوى يقظة للضمير العالمي وتطهير للفكر الذي دنسته سياسة المصالح، يحتاج لتوبة صادقة كعاهرة قفزت فجأة من فوق فراش الدعارة لتغتسل وتستغفر ربها، لكن للأسف حتى الآن العاهرة سعيدة بدعارتها ولا فرق بين مستنقعات الخطيئة وحياة الطهارة. جريمة الإرهاب جريمة مع سبق الإصرار والترصد، إذا قُدمت للعدالة عقابها لا يقل بأي حال من الأحوال عن حبل المشنقة للمُخطط والمُنفذ، ولو تتبعنا الجرائم الإرهابية بصفة عامة منذ البداية سنجد أنها تمت بالاتفاق بين طرفين، طرف يوظف الإرهاب ويخطط له، ثم يأتي دور الإرهابي كمنفذ، هذا كان في البداية ثم انقلبت الأحوال، استقل الإرهاب بنفسه وأصبح هو المخطط والمنفذ في آن واحد، بل ويعمل ضد من كان يخطط له ، بالضبط كطفل ولد من زنا وعندما شب عن الطوق تحول إلى وحش لينتقم من أمه التي ولدته في الخطيئة. لو فتشنا عبر التاريخ عن كلمة الإرهاب الذي نشاهده الآن سنجد أنها كلمة مستحدثة إلى حد كبير، فالإرهاب الذي حدث خلال التاريخ لم تكن له سيمات الإرهاب الحالي، فما نحن بصدده المقصود به هو الإرهاب الذي قفز بشدة منذ سبعينيات القرن الماضي وارتدى كل الأقنعة حتى استقر على القناع الجهادي فأصبح الآن يجاهر على أنه مجاهد عقائدي باسم الدين. الإرهاب لا يولد والخنجر في يده، فهو عامة يبدأ بالإرهاب السلبي ” أي الفكري ” وهو ما يطلق عليه التطرف أو التشدد ” كالسلفية الوهابية “، ثم يتحول إلى الإرهاب الإيجابي ومنهجه القائم على العنف بجميع صوره وأشكاله وصولاً إلى الفكر الانتحاري الذي يقدم فيه الإرهابي ذاته ضحية من أجل الإيقاع بأكبر قدر من الخسائر سواء المادية أو البشرية تحت أوهام دينية كاذبة غُذيت بواسطة مختصون في تحويل الأوهام إلى حقائق لتصبح عقيدة مؤكدة داخل وجدانه، فهو يفجر نفسه ليدمر ما يمكنه تدميره من أجل “حوريات الجنة “!! الذين ينتظرونه على بابها باشتياق ليدللن رغباته دون توقف، عملية تتم لغسل كل فكره وتحويله إلى لا فكر على الإطلاق حتى يؤمن بالباطل بسهولة. وهنا وجب أن نتوقف لنؤكد العلاقة المتينة بين الإرهاب السلبي ” التطرف ” والإرهاب الإيجابي وهو العنف ذاته، إذ يمكن أن يتحول المتطرف إلى إرهابي مع الوقت وتتحول الأفكار إلى دماء بما لديه من استعداد مسبق لا ينقصه سوى وضع الديناميت بين يديه. نحن لا نستطيع أن نتحدث عن الإرهاب التاريخي من خلال مقال واحد، لكن ليكن تركيزنا على إرهاب الوقت الحالي والذي بدأ بما يسمى ” بالقاعدة ” والتي خرجت منها الجماعات المتأسلمة ثم امتدت إلى ما يسمى بالإرهاب الداعشي الممتد حتى الآن. نحن نستطيع أن نصل إلى أساس الحدث الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر والذي قامت به القاعدة ممثلة في السعودي ” أسامة بن لادن ” والمصري ” أيمن الظواهري “. البداية تبنتها سياسة المصالح الأمريكية عندما أرادت أن تحارب الاتحاد السوفيتي في أفغانستان دون أن تدفع بجندي واحد من جنودها لتبدوا وكأنها البريئة من دم ابن يعقوب فزرعت هناك الجماعات الإسلامية لمحاربة الشيوعية والتي انضم إليها من كل حدب وصوب من أطلقوا على أنفسهم اسم المجاهدين ولقد كان لمصر والسعودية النصيب الأكبر منها ، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تثير داخلهم حمية الدفاع عن الدين ، ونادى فيهم ” بريجينكسي ” الذي كان أحد أقطاب السياسة الأمريكية الخارجية ومستشار الأمن القومي للرئيس السابق ” جيمي كارتر ” ما أشعل الحماس داخلهم عندما قال ( لدينا فكرة عظيمة عن إيمانكم بالله ، .. ونحن على ثقة بأنكم ستنتصرون.. تلك الأرض هناك هي أرضكم سوف تعودون إليها في يوم من الأيام، لأن نضالكم سوف يسود، وستملكون بيوتكم ومساجدكم مرة أخرى)، لقد عرف كيف يضرب على الوتر الحساس لدى هؤلاء الذين ملأ عقولهم التطرف، ولقد كان وانسحب السوفييت بعد حرب دامت لعشر سنوات، ولا ننسى أيضاً اعترافه الذي يدين السياسة الأمريكية (لقد خططنا أن تكون أفغانستان هي فيتنام الروس). ويجب أن لا ننسى دور السعودية ودور مصر في عهد السادات في دعم أمريكا لتوطيد أقدام هذه الجماعات في أفغانستان لمحاربة السوفييت ، وكان لهما الدافع السياسي أيضاً فالسعودية تخشي إيران والمد الشيعي أما السادات فلقد غارقاً في شهر العسل مع الأمريكان ومن ناحية أخرى قد يكون من باب الانتقام من السوفييت الذين خذلوه في التجهيز لحربه ضد إسرائيل عام 1973 ووقتها قام بطرد جميع الخبراء الروس الذين لجأ إليهم عبد الناصر لإعادة بناء القوات المسلحة بعد هزيمة 1967 ، ثم حانت له فرصة الانتقام منهم في أفغانستان بمد يد العون للأمريكان بإمدادهم بالأسلحة الروسية والذخائر لوضعها في يد الجماعات الإسلامية حتى تبدو جميع الجرائم هناك وكأنها ارتكبت بيد الروس وأن أمريكا ليس لها علاقة بها ، نعم أنها سياسة المصالح الوقحة التي تصنع الإرهاب ، انتهى القتال واضطر السوفييت للانسحاب من أفغانستان ، لكن هذه الجماعات لم تنته بل استطاع أسامة بن لادن أن يضم معظمهم إلى التنظيم الذي أطلق عليه ” القاعدة ” الذي أشعل التطرف الديني بكل عنفوانه ، وهو نفس التنظيم الذي ساعدته الولايات المتحدة في أفغانستان في الحرب ضد روسيا ومولته بالسلاح ، لكن كما ذكرت انقلب السحر على الساحر فكان أول من وجه له هذا التنظيم ضربة موجعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى هو أمريكا حينما ضُربت أبراج التجارة وبالرغم من مرور أكثر من 25 عاماً أي ربع قرن على بشاعة هذه العملية الإرهابية إلا أن أمريكا والشعب الأمريكي لا يزال يتوجع حتى الآن ، من يتحمل مسئولية هذا الحادث الإرهابي ، مهما قيل ، الموضوع لا يخرج عن أن سياسة المصالح التي تلعبها أمريكا دائماً هي المتهم الأول . دعونا نختطف فقرة من كتاب مذكرات هيلاري كلينتون “خيارات صعبة ” كاعتراف على دور سياسة المصالح في صناعة الإرهاب (دعونا نتذكر هنا أن أولئك الذين نقاتلهم اليوم نحن من قمنا بدعمهم يوما ما قبل 20 عاماً. فعلنا ذلك لأننا كنا عالقين في صراع مع الاتحاد السوفيتي، ولم يكن بإمكاننا أن نسمح لهم بالسيطرة على آسيا الوسطى). كم أحترم الأمثلة العامية فلو راجعنا المثل العامي الذي يقول ” علم في المتبلم يصبح ناسي ” سنجد أنه صُنع خصيصاًُ من أجل سياسة المصالح الأمريكية ، لم تتعلم الولايات المتحدة من هذه التجربة ، ولم تتوقف عن تمويل ومساندة التنظيمات الإرهابية ومن العهد ” البوشي ” إلى العهد ” الأوبامي ” يا قلب لا تحزن ، فرأت أن تستخدم هذه التنظيمات كمفتاح للتدخل في شئون المنطقة بشكل كبير ، فبعد حدث سبتمبر الإرهابي شنت حرباً ضد كل من أفغانستان والعراق لتحدث تدميراً هائلاً في بنيتهما ، بزعم الإرهاب والتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل ، وهو ما ثبت كذبه فيما بعد ، وتمر السنوات الطويلة لكن سياسة المصالح الأمريكية الصانعة للإرهاب لم تتغير بل ازدادت في العهد ” الأوبامي ” فظهر تنظيم داعش في العراق ليتحول أيضاً إلى سلاح ضمن أسلحة الولايات الأمريكية للتدخل في شئون الدول العربية ، لقد أصبحت ” داعش ” السلاح الجديد بعد القاعدة كي تتدخل أمريكا في كل من سوريا والعراق كجزأ من مخططها لتقسيم المنطقة ولتنفذ السعودية مآربها لتحمي نفسها من إيران والدخول مع تحالفاتها العربية في حرب مع اليمن ، لكن للمرة الثانية ينقلب السحر على الساحر وهو الشيء المحزن عندما يسود الغباء فتتجاهل العقول عظة الدروس السابقة فامتدت عمليات هذا التنظيم الإرهابي لتشمل الغرب أيضاً ، فبدأ بفرنسا ، وتبعها ببلجيكا ، ثم تركيا ، وامتدت عملياته لتشمل الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً. سياسة المصالح التي صنعت الإرهاب أفقدت أمريكا مصداقيتها واستخدامها الآن لشعارات الحرب ضد الإرهاب يجعلها تبدو منافقة في نظر العالم ، ويمكن أن نقول ونحن في كامل الارتياح أن الإرهاب في سنوات حكم أوباما ومساعدته هيلاري سابقاً ثم كيري لعب دوره في الساحة كما يشاء فلقد فتحت سياسة المصلحة في تبني الإخوان طريق الإرهاب ولم تسلم منه مصر لقد أثبت أوباما أنه لا يعنيه أن تكون هناك عقوبات على الدول التي ينطلق منها الإرهاب حتى لا يشوب سياسة المصالح أي شائبة ، فلقد هدد باستخدام حق الفيتو ” النقض ” ضد قانون أقره الكونجرس يسمح بمقتضاه لعائلات ضحايا الحادي عشر من سبتمبر بمقاضاة الدول لا سيما السعودية في حال ثبوت تورطها في هذه الاعتداءات . إن سياسة المصالح التي تصنع الإرهاب لن تنتهي طالما وجدت حكومات أو رؤساء انعدمت ضمائرهم فلا يضيرها حتى إراقة دماء الأبرياء، لكن في النهاية أقول إنه من المؤكد أن قاعدة انقلاب السحر على الساحر “ستظل تعويذة صحيحة على كل من لم يتعلم الدرس.
في ذكرى الحادي عشر من سبتمبر ليس لدىِّ ما أقوله سوى رحم الله شهداء هذا اليوم القاسي







