
تحل ذكرى رحيل الكاتب والروائي جمال الغيطاني، أحد أبرز رموز السرد العربي الحديث، الذي ترك إرثًا أدبيًا وصحفيًا ثريًا، استلهم فيه التاريخ والتراث والعمارة والذاكرة الشعبية، وقدمها بأسلوب سردي مميز جمع بين الماضي والحاضر، ومنح المكان والتاريخ حضورًا بارزًا في أعماله.
ولد جمال أحمد الغيطاني في 9 مايو 1945 بمركز جهينة في محافظة سوهاج، ونشأ في منطقة الجمالية بالقاهرة، حيث تلقى تعليمه الأساسي، قبل أن يلتحق بمدرسة الفنون والصنائع بالعباسية، ليدرس تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان، ويتخرج عام 1962.
من تصميم السجاد إلى عالم الصحافة والأدب
بدأ الغيطاني حياته المهنية بعيدًا عن الكتابة، إذ عمل رسامًا للسجاد الشرقي بالمؤسسة العامة للتعاون الإنتاجي، ثم مفتشًا على مصانع السجاد الصغيرة في القرى المصرية، كما عمل في خان الخليلي وشغل منصب سكرتير الجمعية التعاونية المصرية لصناع وفناني خان الخليلي. وأتاح له عمله الاحتكاك بالحرفيين والتعرف على جوانب مختلفة من الحياة المصرية.
بدأ كتابة القصة القصيرة في سن مبكرة، وتعود أولى محاولاته إلى عام 1959، قبل أن ينشر قصته «زيارة» في مجلة «الأديب» اللبنانية في يوليو 1963. ومنذ ذلك الوقت، واصل نشر قصصه في الصحف والمجلات المصرية والعربية، لتبدأ رحلته الأدبية التي امتدت لعقود.
وشهدت حياته تحولًا مهمًا في أكتوبر 1966، عندما تعرض للاعتقال قبل الإفراج عنه في مارس 1967. وبعد عودته إلى العمل في خان الخليلي، انتقل عام 1969 إلى مؤسسة «أخبار اليوم»، ليعمل مراسلًا حربيًا على جبهات القتال، جامعًا بين متابعة الأحداث العسكرية وتوثيق التجربة الإنسانية في أوقات الحرب.
مسيرة صحفية بارزة وتأسيس «أخبار الأدب»
انتقل الغيطاني عام 1974 إلى قسم التحقيقات الصحفية، ثم تولى رئاسة القسم الأدبي في «أخبار اليوم» عام 1985، كما تولى رئاسة تحرير سلسلة «كتاب اليوم».
وفي عام 1993، أسس جريدة «أخبار الأدب» وتولى رئاسة تحريرها، لتصبح من أبرز المنابر الثقافية في مصر والعالم العربي، وتسهم في متابعة الحركة الأدبية وتسليط الضوء على الكتاب والمبدعين.
ولم تكن الصحافة مجرد مهنة موازية لمشروعه الأدبي، بل شكلت جزءًا أساسيًا من رؤيته للإنسان والمجتمع والتاريخ. كما احتلت القاهرة القديمة وعمارتها وآثارها مكانة خاصة في اهتماماته، وهو ما انعكس في عدد من مؤلفاته وأعماله الثقافية.
«الزيني بركات» و«التجليات».. أبرز أعماله الأدبية
أصدر الغيطاني أول كتبه عام 1969 بعنوان «أوراق شاب عاش منذ ألف عام»، وواصل بعدها تقديم أعمال قصصية وروائية رسخت مكانته في الأدب العربي.
ومن أبرز أعماله رواية «الزيني بركات» التي صدرت عام 1974، إلى جانب «وقائع حارة الزعفراني» عام 1976، و«الرفاعي» عام 1978، و«خطط الغيطاني» عام 1980، و«رسالة البصائر في المصائر» عام 1988.
كما قدم مشروعه الأدبي «كتاب التجليات: الأسفار الثلاثة» عام 1990، وأصدر أعمالًا أخرى، من بينها «هاتف المغيب» عام 1992، و«سفر البنيان» و«حكايات المؤسسة» عام 1997، فضلًا عن سلسلة «دفاتر التدوين» التي امتدت إصداراتها إلى سنوات لاحقة.
وتُعد «الزيني بركات» من أشهر رواياته، إذ استلهم فيها التاريخ المصري خلال العصر المملوكي، وقدم قراءة أدبية لعلاقة السلطة بالمجتمع، قبل أن تتحول الرواية إلى عمل تلفزيوني. كما تُرجمت أعماله إلى لغات عدة، بينها الفرنسية والألمانية والإنجليزية، لتصل تجربته إلى قراء خارج العالم العربي.
جوائز وتكريمات خلال مسيرته
حصل جمال الغيطاني على عدد من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الدولة التشجيعية في الرواية عام 1980، ووسام الاستحقاق الفرنسي من طبقة فارس عام 1987، وجائزة سلطان بن علي العويس عام 1997.
كما نال جائزة لورباتليون الفرنسية عام 2005 عن «التجليات»، بالمشاركة مع المترجم خالد عثمان، وجائزة جرينزانا كافور الإيطالية عام 2006، وجائزة الدولة التقديرية عام 2007.
وفي عام 2009، حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب عن «رن»، الدفتر السادس من سلسلة «دفاتر التدوين»، كما نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى. وتوجت مسيرته بحصوله على جائزة النيل في الآداب عام 2015، قبل أشهر من رحيله.
حياته الشخصية وعلاقته بنجيب محفوظ
تزوج جمال الغيطاني من الكاتبة والصحفية ماجدة الجندي عام 1975، بعدما جمعتهما الصحافة وتغطية حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر، وأنجبا ابنهما محمد وابنتهما ماجدة.
كما ارتبط بعلاقات وثيقة بعدد من كبار الأدباء، وفي مقدمتهم نجيب محفوظ، الذي كان من أصدقائه المقربين، وجمعتهما اهتمامات أدبية وثقافية مشتركة.
رحيل الغيطاني وبقاء إرثه الأدبي
رحل جمال الغيطاني في 18 أكتوبر 2015 داخل مستشفى الجلاء العسكري بالقاهرة، بعد تدهور حالته الصحية، عن عمر ناهز 70 عامًا. وأقيمت صلاة الجنازة على جثمانه في مسجد السيدة نفيسة، بحضور عدد كبير من الأدباء والمثقفين والإعلاميين والشخصيات العامة، قبل دفنه في مقابر الأوتوستراد.
ورغم رحيله، لا تزال أعماله حاضرة في المشهد الثقافي المصري والعربي، من خلال إعادة نشرها وقراءتها والاحتفاء بتجربته الأدبية والصحفية. كما أُطلق اسمه على أحد الشوارع المتفرعة من شارع المعز بالقاهرة، وعلى مدرسة في مسقط رأسه بمحافظة سوهاج، تخليدًا لإسهاماته في الأدب والثقافة.
ويبقى جمال الغيطاني واحدًا من أبرز الكتاب الذين أعادوا توظيف التاريخ والتراث في الرواية العربية الحديثة، ونجحوا في بناء عالم أدبي خاص تتداخل فيه الذاكرة بالمكان، والماضي بالحاضر، والواقع بالخيال.








