تأمل في فشل الحوار

بقلم: خالد الحديدي
في زمنٍ تضخمت فيه وسائل التعبير وتراجعت فيه قيمة المعنى، لم يعد النقاش ساحة للبحث، بل ساحة للعرض. كل طرف يدخل الحوار مسلّحًا بيقين مطلق، لا ليُناقش، بل ليُكرّس أفكاره كما تُكرَّس العقائد. لا فرق هنا بين أستاذ جامعي أو مستخدم على وسائل التواصل؛ كلاهما يسعى لا إلى الفهم، بل إلى إثبات الذات، وكأن الحقيقة لا تكون حقيقة إلا إذا هزم بها غيره.
ولعلّ هذا بالضبط ما حاول أن يحذّر منه طه حسين مبكرًا، حين دعا إلى الشك المنهجي لا من أجل الهدم، بل من أجل إعادة البناء على أرضية نقدية. فالشك، عنده، لم يكن ريبةً في كل شيء، بل امتحانًا للعقل أمام كل ما يقال. وقد جسّد ذلك في عبارته الشهيرة: إن العقل لا يعرف الحقائق إلا إذا فحصها وتبيّنها وأخضعها للبرهان.
وفي زمنٍ كان يُنظر فيه إلى التقليد كفضيلة، ظهر سلامة موسى ليعلن أن العقل الحرّ أهم من أي ميراث، وأن التفكير المستقل ليس مروقًا، بل ضرورة تاريخية. في كتابه هؤلاء علّموني، كشف بوضوح كيف لا يرتقي الإنسان إلا إذا شكّ في أفكاره، لا في أفكار الآخرين فقط. كان يؤمن بأن العقل المصري لن يتحرر إلا إذا تعلّم أن يصغي، وأن يختلف، وأن يراجع نفسه كما يراجع غيره.
أما زكي نجيب محمود، فقد خاض أشد المعارك الفكرية لا من أجل فرض رأي، بل من أجل إثبات أن الفكر ذاته لا يعيش إلا بالنقاش. كتب في مقدمة أحد كتبه: أكتب لأتحاور، لا لأُملِي. فإن وجدتُ نفسي على حق، فقد كسبتُ العقل، وإن وجدتُ نفسي مخطئًا، فقد كسبتُ الحقيقة.
هذا هو الأدب الحقيقي للحوار أن تدخل وأنت مهيأ لأن تتغير، لا لأن تُغيّر الآخرين فحسب.
لكن أين نحن من هذا التراث الفكري؟
لقد انزلقنا إلى نمطٍ جديد من اليقين الشعبوي؛ ظاهرة يتحدث فيها الجميع عن الحرية، لكن لا يحتمل أحدٌ سماع رأي مخالف.
يتشدّق المتكلم بقبول الآخر، ثم يسارع إلى تخوينه أو تسفيهه أو التشكيك في دوافعه لمجرد أنه قال ما لا يُطابق السائد.
إننا لا نناقش من أجل الاقتناع، بل من أجل النجاة من الاعتراف بالخطأ.
والغريب أننا نعيش في عصرٍ هو الأكثر انفتاحًا وتنوعًا عبر التاريخ، لكنه أيضًا العصر الذي يصعب فيه قبول الآخر.
فالتعدد الذي فرضته العولمة والانكشاف الحضاري لم يُقابل بتسامح معرفي، بل برد فعل انغلاقي يزداد تشددًا كلما ازدادت الخيارات.
إن كثرة الكُتّاب والشعراء لم تُثمر اتساعًا في الوعي، بل فاقمت ضجيج الادعاء، حتى غدا كل من ارتقى منصة مهما كانت هامشية أو عابرة يتخيّل أنه الناطق باسم اليقين، وأن فكرته هي الكلمة الأخيرة في كل سجال.
أكثر من ذلك، تحوّل الحوار ذاته إلى أداة تصنيف اجتماعي. فحين تحاور، لا يُنظر إلى حجتك، بل يُحكم عليك انطلاقًا من موقعك أو هويتك أو خلفيتك.
صار الاختلاف مصدر تهديد، لا بوابة إثراء. وصارت الجملة الصادمة هي التي تنتشر، لا الفكرة المنقّحة.
وقد نسى كثيرون أن الحقيقة، حين تُقال دون روح إنسانية، تُصبح قنبلة، لا رسالة. وأن الرأي، حين يُقدَّم على سبيل القهر، لا يُقنِع بل يُفاقِم الانقسام.
ولذا فإن أزمتنا ليست أزمة فكر فقط، بل أزمة وجدان. نحن نحتاج إلى إعادة تربية النفس على التواضع المعرفي، على احتمال أن يكون الآخر مُصيبًا، وأن تكون “الذات”، مهما بلغت، قابلة للمراجعة.
هذه ليست مجرد فضيلة أخلاقية، بل ضرورة عقلية.
فلا يمكن للفكر أن يتطور إلا إذا سُمِح له أن يُراجع نفسه.
طه حسين كتب عن أحقية المختلف بالرأي في أن يُسمَع.
سلامة موسى نادى بالتحرر من أغلال القداسة المعرفية.
زكي نجيب محمود دعا إلى تحكيم العقل لا التقديس.
لكننا اليوم نمارس عكس هذا كلّه نرفض النقد باسم الثوابت، ونخاف التغيير باسم الهوية، ونُقصي المختلف بدعوى “المصلحة العامة.
فما الذي بقي من الحوار؟
بقيت الأصداء، والعبارات المُستهلَكة، والأقنعة الذكية التي تُخفي عنفًا رمزيًا مهذبًا.
وما لم نعد إلى جذر المسألة، ونعترف بأن المشكلة فينا لا في الآخر، فإن كل حوارٍ سيظل تكرارًا لأحاديث لا يسمع فيها أحدٌ أحدًا.
ولذلك، آن لنا أن نعود إلى تلك اللحظة الأصيلة التي سبقت الانفعال، لحظة السؤال الهادئ:
ماذا لو كنتُ أنا المخطئ؟
هذا السؤال وحده كفيل بأن يفتح بابًا للحوار الحقيقي، لا الصراخ المقنّع.
وقد آن لنا، في هذا العصر الذي يزعم التعدد والانكشاف الحضاري، أن نستعيد القيمة الغائبة التي نادى بها من قبلنا: أن تُخطئ أفضل من ألا تفكر، وأن تختلف أفضل من أن تكرّر، وأن تصغي للآخر لا لأنه على حق، بل لأنك لستَ معصومًا من الخطأ.
وختامًا، فليكن شعارنا كما تخيّله طه حسين في الجامعة، ورآه سلامة موسى في صميم الإصلاح، ودافع عنه زكي نجيب محمود بقوة المنطق:
أنا لا أحاورك لأُقنعك، بل لأتعلّم معك. وأصغي إليك، لا لأنك بالضرورة على حق، بل لأنني لستُ معصومًا من الخطأ.








