
بقلم : د / إبراهيم محمود هارون
تمنيتُ لو منحني اللص الامين فرصة الوادع لأطلب منه أن يسرد لي قيمة المحبة الذي منحها اياي و أتأمل في حروفه جيدًا و لبلاغته و لسرعه إتقانه في تبليغ المعلومة بكل يسر و بساطة و لأطلب منه أن يعطى لي الجوهرة الذي سرقها مني منذ سنوات و حينها قال لي لا تقلق سأحافظ عليها و أخبئها جيدًا و أعتني بها و لكنه أبى أن يسلم المسروقات و جعلني هكذا أتقلب لا أقوى على المعيش ، تمنيت أن يخبرني أن زيارته الأخيرة المقلقة التي لم تتجاوز العشر دقائق هي آخر عهدي به ، و الغريب في الأمر أنه كان في فمه حديث و لكن لم يتمكن من قوله تمنيت و لو ترك لي إشارة يلمح بها إنني لن ألقاك بعد يومنا هذا ، و لكنه هو لطيف جاء بهدوء و رحل بهدوء دون سابق إنذار كان خفيف الظل و يخشى أن يجرح مشاعر أحد جاء الىّ وحيدًا يمشي على رجلية و غادر و رحل على نفس الهيئة ، لم يتسبب في الضوضاء و لا التعصب كان يتميز بالهدوء و الرزانه و الفصاحة و يفكر جيدًا قبل أن ينطق بالكلمة لانه مؤمن بأن الكلمة هي كل شيء في المجتمع فيقول دائمًا الكلمة تصنع المستحيل و تمنع السهل البسيط و الكلمة تخرجك من النور و تُقع بك في الظلمات و الكلمة نجاة و الكلمة بلاء و الكلمة شفاء و الكلمة دواء و الكلمة تُصلح و الكلمة تُفسد و الكلمة تجبر و الكلمة تكسر و الكلمة تمنح و الكلمة تمنع و الكلمة سهم أطلق قد يصيبك بالخير أو بالشر ففكر جيدًا قبل أن تُطلق هذا السهم فأنت لا تعيش بمنفردك في هذا الكون بل هنالك عليك رقابة من المكون ، و لكنه هو أمتنع عن الكلمة في لقاءه المقلق و ألتزم بالصمت و الحيرة ، و بعد مرور عامين أحدهم سأله عني و عن مدى معرفته بي فلم تخرج منه الكلمة و ظل واقفًا ماذا سيقول و لكن عيناه خانتاه و باحت بما في قلبه ، السائل ظل متعجبًا لماذا لم يجيب و في عيناه الشوق العجيب و لماذا لم يرد و على وجهه الحيرة فهل هو قد زهد ، كرر السائل سؤاله للص الأمين هل أنت من المجيبين أو أنت على إجابتك من المحتفظين، فأدارا بوجهه خشيًة أن تنكشف إجابته من عيناه الذي تلمعان و ذهب دونما رد ،
أخبرني السائل بالرد و قال لي ما به لم يرد فسكت أنا منبهتًا مما سمعت و أصبحت أفكر هل هزه الشوق و الحنين ام بسؤاله عني أصبح اسمى عنده من قائمة المزعجين ام تملكه القلق و الحيرة في نفس الحين ام ماذا أخبروني أيها المشتاقين و أصبحت طوال الليل من المفكرين و تحدثني نفسي عن ما فعله اللص الأمين
و قلت ياليته منحني فرصة الوداع لكِ لا أصبح الان من المنشغلين
و لكنه ذهب و معه القلب المسكين و ترك لي ذكرياته و كلماته و حكاياته عن الأولياء و الصالحين و الفلاسفة و المخترعين و الأدباء و بالشعر من هم المهتمين و تركني أتصارع مع الحياة و أنتظر الخبر اليقين هل سوف يرجع ام أكون بلا فائدة من المنتظرين
ترك لي سمعة طيبة و وصايا قيّمة و حكم عطائية و علم يخر منه الجبين أصبر نفسي بهذه البقايا القيّمة لعله يرجع و يكون من المخلصين و انتعش بالحديث معه و لغيابه لن أكون من المتذكرين و نشرع في بداية جديدة و حكايات و تفاصيل مثيرة و نتحدث عن الأسمر و النبهان و صالح و الدباغ وصاحب الخريدة
و نسبح في بحور الشعر و علومة المتينة و نتمشي في الطرقات و نتحدث عن المعاني الدقيقة ، كل هذه الاحلام فهل ستكون حقيقة و يزول الألم و تبقي لنا فرصة سعيدة للقاء و للحديث و ننسي الاوجاع الشديدة أم سيكون مجرد أمل و اوهام تجبر الإنسان على الاحتمال ام قد يكون إهمال و لكنني أعلم جيدًا انه لا يعرف معني النسيان و الاهمام عنده صفة مذمومة لدي الإنسان فلولاء أعطيتني فرصة الوادع لأسدل الستار و توقفت الآمال و كانت تلك الزيارة هي حلقة الوصل الاخيرة .
