
بقلم المستشار الدكتور: أحمد فريد
تعد مشروعية الأحكام القضائية من أهم الضمانات التي يقوم عليها بناء الدولة القانونية، إذ تمثل الأحكام القضائية الأداة النهائية لتطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات، وتحقيق مبدأ سيادة القانون الذي يخضع له الحاكم والمحكوم على السواء، ولا تتحقق الثقة في القضاء إلا إذا صدرت أحكامه في إطار من المشروعية، ملتزمة بأحكام الدستور والقانون، ومراعية لقواعد العدالة الإجرائية والموضوعية.
ويقصد بمشروعية الأحكام القضائية التزام القاضي عند الفصل في الخصومات بالقواعد الدستورية والتشريعية السارية، وبالمبادئ العامة للقانون، مع التقيد بالإجراءات المقررة قانوناً، وتسبيب الحكم تسبيباً كافياً ومبرراً، فالحكم القضائي المشروع هو الذي يصدر من جهة قضائية مختصة، وفقاً لإجراءات صحيحة، ويستند إلى تطبيق سليم للقانون على الوقائع الثابتة في الدعوى.
ولا تعني المشروعية مجرد صدور الحكم باسم القانون، وإنما تعني خضوعه لرقابة القانون ذاته، بحيث يكون قابلاً للطعن إذا شابه عيب من عيوب عدم المشروعية.
وتستمد مشروعية الأحكام القضائية أساسها من مبدأ سيادة القانون، وهو مبدأ دستوري أصيل يفرض خضوع جميع سلطات الدولة للقانون، كما يرتبط هذا المبدأ بمبدأ استقلال القضاء، إذ لا تتحقق المشروعية إلا بقاض مستقل ومحايد، لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون وضميره.
ويعد احترام حق التقاضي، وحق الدفاع، وعلانية الجلسات، وضمانة القاضي الطبيعي، من الركائز الدستورية التي تكفل صدور الأحكام القضائية في إطار من المشروعية.
وتتجسد مشروعية الحكم القضائي في عدة عناصر متكاملة، لم يقتصر الفقه على بيانها شكلياً، وإنما تناولها بالتحليل من حيث طبيعتها ووظيفتها في تحقيق العدالة القضائية، وذلك على النحو الآتي:
1- الاختصاص : يذهب جانب معتبر من الفقه إلى أن الاختصاص هو الركن الأول للمشروعية، باعتباره تعبيراً عن توزيع السلطة القضائية داخل الدولة، ويرى الفقيه الفرنسي “هوريو” أن احترام قواعد الاختصاص ليس مجرد مسألة إجرائية، وإنما هو ضمانة دستورية تحول دون اغتصاب السلطة، كما يميز الفقه بين الاختصاص كشرط لصحة الحكم، والاختصاص كشرط لوجوده، بحيث يؤدي الانعدام الجسيم للاختصاص إلى انعدام الحكم ذاته لا مجرد بطلانه.
2- سلامة الإجراءات : يربط الفقه الحديث بين مشروعية الحكم القضائي ومفهوم العدالة الإجرائية، باعتبار أن الإجراءات ليست شكليات فارغة، وإنما وسائل لضمان حياد القاضي، وتمكين الخصوم من الدفاع عن حقوقهم على قدم المساواة، ويؤكد “ديجي” أن الإخلال الجوهري بحق الدفاع يهدم الأساس الأخلاقي والقانوني للحكم، حتى ولو انتهى إلى نتيجة موضوعية صحيحة .
3- التسبيب : يحتل التسبيب مكانة مركزية في الفكر الفقهي، إذ ينظر إليه باعتباره الوسيلة التي تخضع بها السلطة القضائية لرقابة القانون والعقل معاً، ويرى الفقيه “برتلمي” أن الحكم غير المسبب هو حكم استبدادي في صورته القضائية، لأنه يعجز الخصوم والرأي العام عن الوقوف على منطق المحكمة، كما يعد التسبيب شرطاً لازماً لممارسة محكمة الطعن رقابتها على صحة تطبيق القانون .
4- التطبيق الصحيح للقانون : يفرق الفقه بين الخطأ في تقدير الوقائع، وهو من مسائل الواقع التي تستقل بها محكمة الموضوع، وبين الخطأ في تطبيق القانون أو تأويله، وهو ما يمس مشروعية الحكم مباشرة، ويؤكد الفقه المقارن أن القاضي لا يملك تعطيل النص أو استبداله بتقدير شخصي، وإنما يلتزم بالتفسير الذي يحقق غاية المشرع في إطار الدستور والمبادئ العامة للقانون .
ويذهب الفقه إلى أن عدم مشروعية الحكم القضائي لا تتخذ صورة واحدة، وإنما تتدرج بحسب جسامة العيب الذي شابه، ومن ثم يميز بين الحكم الباطل وهو الذي يصدر مستوفياً أركانه، لكنه يشوبه عيب إجرائي أو موضوعي يمكن تصحيحه بطريق الطعن، والحكم المنعدم: وهو الذي يفتقد ركناً من أركانه الجوهرية، كصدوره من جهة لا ولاية لها أو افتقاده للتسبيب كلية، ويعد والعدم سواء.
ويرى جانب من الفقه أن التوسع في نظرية الانعدام يمثل حماية لمبدأ المشروعية، بينما يحذر آخرون من الإفراط فيها لما قد يترتب عليه من اضطراب المراكز القانونية.
اما عن رقابة المشروعية فلا تقتصر على مجرد تصحيح الأخطاء، وإنما تهدف – في نظر الفقه – إلى تحقيق وحدة النظام القانوني واستقرار المعاملات. وتتم هذه الرقابة من خلال:
محاكم الطعن التي تمارس رقابة قانونية على أحكام محاكم الموضوع، دون أن تحل محلها في تقدير الوقائع.
المبادئ القضائية المستقرة التي ترسيها محكمة النقض، والتي تعد مصدراً تفسيرياً مكملاً للنصوص التشريعية.
ويرى الفقه أن رقابة المشروعية تمثل توازناً دقيقاً بين استقلال قاضي الموضوع، وضرورة خضوعه لسيادة القانون، بما يحقق الانسجام بين الحرية القضائية والانضباط القانوني، وتتحقق رقابة مشروعية الأحكام القضائية من خلال طرق الطعن المختلفة، سواء كانت طرقاً عادية كالاستئناف، أو غير عادية كالنقض والتماس إعادة النظر، وتهدف هذه الرقابة إلى تصحيح ما قد يشوب الحكم من أخطاء، وضمان وحدة تطبيق القانون، وتحقيق العدالة.
وتباشر محكمة النقض، أو المحكمة العليا بحسب النظام القضائي، دوراً محورياً في إرساء المبادئ القانونية، وضمان احترام المشروعية في الأحكام الصادرة من محاكم الموضوع.
إن مشروعية الأحكام القضائية تمثل حجر الزاوية في بناء الثقة في القضاء، وضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات ولا تتحقق هذه المشروعية إلا بالتزام القاضي بأحكام الدستور والقانون، واحترامه لقواعد العدالة الإجرائية والموضوعية وخضوع الأحكام لرقابة قضائية فعالة، ومن ثم فإن تعزيز مشروعية الأحكام القضائية يعد تجسيداً حقيقياً لمبدأ سيادة القانون، وأساساً لا غنى عنه لتحقيق العدالة واستقرار المجتمع.
