
بقلم : عماد أبو زيد
“من تسبب في موت كلاب دون قصد.. يستحب أن يستغفر الله.. ويتوب إليه.. ويندم على ماحدث.. ويعزم على عدم تكرار الأمر “..فتوى لبس لها محل من الإعراب جاءت على لسان امين الفتوى بدار الإفتاء المصرية.. من وجهة نظري أنا كاتب هذه السطور .. وبافتراض كنت انا أمينأ للفتوى في هذا العصر.. وجاء لي هذا السؤال.. فلن أجيب عنه..لأن صاحب السؤال بديهيا يعرف الإجابة..و هو إما كونه صبيا في طور التكوين.. أو إنه شابا تافها.. أو رجلأ مخرفا .. وهذا ينطبق على نوع الإنسان بشكل عام..ذكر أو أنثى.
وربما إذا كنت أنا أمينا للفتوى – افتراضا – سأبحث عن عقوبة مغلظة في كتب الفقه..أعاقب بها هذا الصبياني التافه المخرف أولا وقبل كل شيء .. أو ذلك الذي ينشغل عن قضايانا المهمة بطرحه مثل هذه الأسئلة التافهة.. التي لاتغني ولا تسمن من جوع..إذ هو يضيع وقتنا فيما لا طائل من ورائه.. ومؤكد أنه على يقين أنه مخطيء حال إقدامه على مثل هذا الفعل.. الذي جعل منه قضية للبحث والفتوى والنقاش.. وإلا ما كان قد طرح هذا السؤال!.ويروى في الأثر أن رجلا ذهب للحاكم يعرض عليه مهارته في لقم طرف الخيط في ثقب الإبرة في الهواء دون أن يستعمل أصابعه ..فأمر بشنقه لانشغاله في إضاعة الوقت فيما لا أهمية له.
وأعتقد أنه كان الأجدر بطالب الفتوى أن يشغل باله قليلا ببعض المسائل التي قد تبدو في ظاهرها بسيطة.. ويصيغ منها مسألة للفتوى.. فعلى سبيل المثال لا الحصر..كان من الممكن أن يتساءل قبل تناوله للطعام : هل هناك احد من جيراني يتعفف عن السؤال.. وبطنه يشكو الجوع ؟..هل هناك أحد يخلو بيته من الطعام ؟ ..ثم يذهب بمخياله إلى إنسان ما أو حيوان في اي بقعة من العالم.. يحرم من الماء والغذاء.. لأى سبب جراء ظروف الطبيعة..والتغيرات.
المناخية القاسية ..وندرة المياه.. والجدب والتصحر ..أو بسبب عدم توافر البنية التحتية للمياه ..أو بسبب النزاعات والصراعات ومايتسبب عنها من قتل و دمار وخراب ..و نزوح وهجرات للبشر والجماعات . أو يتساءل عما فعله الكيان المحتل بأصحاب الأرض..وقتل الغزيين جوعاً. فإن لم يكن قتلهم بالقنابل والمسيرات والطائرات الحربية والروبوتات المفخخة والرصاص .. كان قتلهم بالتجويع . أو أن يولي بصره تجاه مايحدث في دارفور ..وانتشار وباء الكوليرا ..وموت البشر ..أو يتساءل عما يحدث لمسلمي الروهينجا.
كان الأجدر بصاحب المسألة.. أن يفكر مليا.. في أحقيته في تناول الغذاء من عدمه – بغض النظر عن نوعه ..بسيطأ أو فاخرا – في الوقت الذي لا يحظى فيه غيره بما يحظى به.. ومن ثم تكون لديه مسألة ..هل هو مذنب و آثم ..أم أنه غير ذلك؟
كان من الأولى ان يطرح هذه المسألة.. لكن لأنه تافه أو أجوف أو مخرف..انشغل بموت الكلاب ..وقد نسي أن هناك الكثير من البشر .. يستحقون الحياة وحياة أفضل لا الموت.
ومن ثم كان من الأحري للسيد آمين الفتوي بدار الافتاء المصرية.. ان يقول: كلنا مذنبون.. على غرار القول الأشهر في السينما المصرية “كلنا فاسدون ” لبطل فيلم “ضد الحكومة”الفنان أحمد زكي.. حيث جسد شخصية المحامي مصطفي خلف.
الفيلم قصة وجيه أبو ذكري – سيناريو وحوار بشير الديك – مدير التصوير سعيد شيمي – إخراج عاطف الطيب – إنتاج عام 1992 ..ومن منا لا ينسى مشهد نهاية الفيلم بتلك المرافعة التاريخية.. كما أسماها نقاد الفن السابع ذلك ” كلنا فاسدون.. لا أستثني أحدا.. حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة.. سيدي الرئيس.. كل ما أطالب به أن نصلي جميعا صلاة واحدة..لإله واحد.. إله العدل الواحد الأحد القهار… “
لذا كان يستحب أن يقول السيد أمين الفتوى بصوت عال :كلنا مذنبون.. ليس لموت الكلاب فقط إنما لقتل البشر.وتأسيسا عليه ليس المذنب هو من تسبب في موت كلب فقط دون قصد. إنما إحساسنا بالآخرين..ونحن مدثرين بصمتنا ومطوقين بعجزنا.. يضعنا في خانة المذنبين ..ومن ثم يستوجب منا جميعا أن نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه.. وحري بنا أن نردد وراء الإمام أو آمين الفتوى :إننا تبنا الي الله.. ورجعنا إلى الله.. وندمنا على مافعلنا.. وعزمنا على ألا نعود إلى شيء يغضب الله.
