
حسني حنا
“كلما رأيت امرأة، رأيت الحياة تمشي على قدمين”
*نجيب محفوظ
في تاريخ الحضارات الانسانية، جانب عظيم يدور حول المرأة، وقد كانت التبدلات الهامة التي طرأت على المجتمعات البشرية منذ أقدم العصور حتى كتابة هذه السطور، تنعكس على حياة المرأة بشتىّ الصور والأشكال، حتى أصبحنا ننظر اليوم الى مدى تقدم المجتمعات البشرية أو تخلّفها، من خلال وضع المرأة فيها…
في مصر القديمة
دلّت الأبحاث الأثرية، على أنه كان للمرأة مركز ممتاز، فالنقوش التي ظهرت على الآثار عامة، تمثل المرأة الى جانب الرجل. وقد لقب المصري القديم زوجته بـ (سيدة البيت)، وقد قال الحكيم (تاحوتب) “إذا أصبحت رجلاً ذا مركز، فأقم لك بيتاً – أي تزوج – وأحبب زوجتك فيه، كما يجب أن يكون”.
وكان الرجل متى تزوج المرأة، بقسم على احترامها، ومعاملتها بالرقة والعدل. والفتاة المصرية العاشقة كانت تخاطب حبيبها بمثل هذه العبارات: “ياصديقي الجميل، أتمنى أن أعيش العمر كله بقربك. إن أسراب الطير الجميلة، تتلاقى على النهر، ولكني أنصرف عنها، ولا أفكر إلا فيك وحدك..”.
وفي مصر القديمة عوملت المرأة كالرجل تماماً، فقد كانت (إيزيس) تُعبد مثل زوجها (أوزيريس). كما لعبت المرأة دوراً كبيراً في الحكم والسياسة مثل الملكة (حتشبسوت) في القرن (15 ق.م) التي أصلحت ما أفسده الهكسوس في مصر، ونظّمت المجتمع، ووحدت أركان الدولة. أما الملكة (نفرتيتي) زوجة (أخناتون) (القرن 14 ق.م) السورية الأصل فإنها هي التي أدخلت عبادة التوحيد للإله (آمون). والملكة العظيمة كليوباترا (70 – 30 ق.م)
في بلاد النهرين
ورد في الأمثال السومرية: “المرأة هي مستقبل الرجل، والابنة هي خلاصه”. وفي الحضارة السومرية، نجد الملكة (شوب عاد) ملكة السماء، وحامية مدينة أوروك.
وقد استطاع الملك حمورابي (1728 – 1686 ق.م) أن يُشرّع للمرأة قانوناً، يرتفع بمنزلتها إلى الدرجة القصوى من الحرية والاستقلال، إذ ليس للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة مالم تكن زوجته لاتنجب وكانت الأرملة تحل محل زوجها في ملكية الأرض، والوصاية على أولادها.
ونقرأ في أسطورة (جلجامش) استطاعت إحدى راهبات المعبد، أن تخفف من وحشية البطل (أنكيدو) حيث علمته الحياة الحضرية، بعد أن كان يعيش في البادية، حيث كان هائماً على وجهه، يأكل العشب كالغزال. كما نجد الالهة (سبيو) تنصح جلجامش، بأن يكفّ عن البحث عن الحياة الخالدة، وأن يتمتّع بالحياة”
وجاء في أحد النصوص البابلية: “لتكن زوجتك التي تضّمها الى صدرك قُرة عينك، فهذا هو ذخر الانسان”
وما اشبه هذا الكلام بالنصيحة التي وردت في العهد القديم (التوراة):
” الثدّ عيشاً مع المرأة التي أحببتها، لأن ذلك نصيبك في الحياة، وفي تعبك الذي تتعبه تحت الشمس” (سفر الجامعة: الاصحاح التاسع).
وقد ذكرت الروايات أن الملك نبوخذ نصّر الثاني ملك الكلدانيين (605 – 561 ق.م) أمر ببناء الجنائن المعلّقة في بابل إكراماً لزوجته. وقد أصبحت هذه الجنائن من عجائب الدنيا السبع. وعند الآشوريين اشتهرت الملكة سميراميس زوجة الملك شمسي حدد الخامس (823- 811 ق.م) ويعتقد الآشوريون، أنها لم تمت، وإنما تحوّلت إلى حمامة طارت في الفضاء…
ولاننسى هنا أن أقدم قصيدة حب قد وجدت على لوح من الفخار المشوي في مدينة نيبور السومرية، وهي تعود الى نحة (3000 عام ق.م) وترجمتها كما يلي:
ابحث عني الى أن تجدني
أنا في البريّة، وقد انتهيت من اقتلاع الأشواك
والآن سأزرع كرمة عنب
وقد غمرت النار المستعرة بداخلي بالماء
فأحّبني كما تحب حملانك الصغيرة
واعتن بي، كما تعتني بقطيع ماشيتك
وابحث عني إلى أن تجدني!…
في سوريا القديمة
كانت المرأة إلهة معبودة في مملكة أوغاريت، وكان لها دور كبير في سعادة ورفاهية الشعب. ومن كلام للعذراء (عنات) في أسطورة الاله بعل:
“سأضع في الارض اغذية، سأبذر في التربة قوتاً شهياً، سأنشر السلام على الأرض، وأكثر الخيرات في الحقول، وليجعل بعل صواعقه في السماء…”
وفي ملحمة الملك دانيال، نعرف أنه كان لهذا الملك ابنة تعرف أسرار النجوم، وبفضلها سيطر الملك على الطبيعة، فالسحاب يمشي بمشيئته، والأمطار تروي الزرع، والندى ينضج العنب، ولهذا كانت الحبوب وافرة، ينعم بها الشعب.
وتروي الأساطير، أن كبير الآلهة في بلاد الاغريق (زيوس) إختطف الفتاة الجميلة (أوروبا) من مرج على الساحل السوري قرب مدينة صور، وهرب بها الى جزيرة كريت، بعد أن تزيّا بزي ثور. وفي كريت عاد الى شكله الطبيعي وتزوجها، ولد من هذا الزواج الملك مينوس، بينما اتخذت القارة الأوروبية اسمها من اسم الفتاة (أوروبا).
وجاء في الأساطير أيضاً أن (أليسا) إبنة ملك صور، قد ذهبت مع بعض البحّارة الشجعان، الى شاطئ أفريقيا الشمالي حيث أسست مدينة (قرطاجة) نحو عام (814 ق.م) قرب مدينة تونس الحالية.
وفي سوريا عاشت الشاعرة (بلتيس) في القرن (6 ق.م) على ساحل سوريا الجميل، ولها ديوان شعر باسم (أغاني بلتيس)، وفي مكان ما عند نهر ابراهيم في لبنان، نشأت قصة حب خالدة بين الاله تموز (أدونيس) وعشتار (فينوس) وقد جاء في الأسطورة أن خنزيراً برياً، قتل الشاب أدونيس عندما كان في رحلة صيد. وقد تحول جسد دوميس الى الأزهار الحمراء الجميلة، المعروفة اليوم باسم (شقائق النعمان).
وبعد إحتلال الاسكندر المكدوني لسوريا عام (333 ق.م) ووفاته قام أحد قواده وهو سلوقوس الأول ببناء مدن عديدة في سوريا وغيرها. وقد حمل بعضها اسم أمه لاوديسيا (اللاذقية) وأفاميا على اسم زوجته.
المرأة في اليونان القديمة

إن معجزة الحضارة الانسانية الأهم، ظهرت في بلاد اليونان القديمة، ففيها ظهر أعظم الفلاسفة وأعظم الأطباء، وأبرز المؤرخين والجغرافيين، وأكبر العلماء والأدباء، والشعراء والفنانين الذين وضعوا أسس الحضارة الانسانية في العالم القديم، ومنهم انتقلت الى العالم.
وقد كان للمرأة في الحضارة اليونانية مكانة سامية، نجدها في قصائد الشاعر هوميروس (القرن 8 ق.م) ويقول الشاعر هزيود (القرن 8 ق.م): “إن خير ماتهبه الحكمة الالهية للانسان، امرأة جميلة فاضلة.
وخرج في أثينا كتاب مسرحيون أمثال يوريبيدس تحدثوا عن المرأة بكثير من العطف والاهتمام والاحترام. وفي بلاد اليونان ظهرت الشاعرة (سافو) التي ازدهرت حوالي عام (600 ق.م) والتي توضع في مصاف أكبر الشعراء الإغريق وقد تحدث عنها استرابون وكأنها أعجوبة. وفي (أبجرامة) لأفلاطون، توصف بأنها (ربة الفن).
وقد وصلنا شذرات من قصائدها وقصيدة كامله تحمل عنوان (دعاء الى أفروديتي) ومن أقوالها: “لقد بلغت باسمي مجداً، يملأ البلدان جمبعاً.
وفي مجتمع (اسبرطة) كان يُسمح للشيان والشابات أن يحبّوا بعضهم بعضاً دون حرج، وكانت هناك عقوبات على (العزوبية) وأما سن الزواج فقد كانت (25) عاماً للشباب و(22) عاماً للفتاة.
ويروى أفلاطون (القرن 4 ق.م) أن المرأة تتمتع بشتّى الكفاءات، التي يتمتع بها الرجل. وهو يقول: “إن المرأة الشريفة تتستّر برداء الفضيلة من الداخل، وذلك أصدق من تستّرها بالثياب من الخارج. وهذا هو جوهر الخلاف بين الحقيقة والزيف. ويقول أفلاطون:
“ميدان التعليم مفتوح للجميع لأبناء الجنسين ولأبناء كل الطبقات على السواء… وإن أبدت المرأة قدرة في الادارة قلتحكم…”. وقد خدم أفلاطون المرأة، حين جعل العلاقة بينها وبين الرجل أحد المُثُل العليا، التي يجب أن ندركها، وأن الحب يجب أن يكون قَبساً من السماء، وأن المرأة في أصلها مخلوقة من الجمال والنور…”.
وقد أدرك الاسكندر المكدوني (356 – 323 ق.م) اهمية المرأة في المجتمع. وقد شجّع جنوده وضباطه على الزواج من نساء فارسيات حين وصل الى بلاد فارس، لكي توطد أواصر الاسرة الروابط الحضارية والثقافية. التي تجمع بين الشرق والغرب.
المرأة عند الروماني
في عهد الرومان، انتقل مركز التاريخ لأول مرة من آسيا الى أوروبا. وورثت الحضارة الرومانية حضارة اليونان.
وقد تطور القانون الروماني لصالح المرأة، فأعطى لها كثيراً من الحرية الخاصة والاستقلال الشخصي. وكان مركز المرأة يكبر باستمرار، حتى أصبحت السيدة الرومانية مضرباً للأمثال، فيما تتمتاز به النساء دائماً من العفّة والجمال، ولم يعترف القانون الروماني للرجال إلا بزوجة واحدة.
ويذهب كثيرون من المؤرخين الى القول عموماً، أن القانون الروماني، هو أساس حقوق المرأة التي نالتها حديثاً.
وعندما جاءت المسيحية – زمن الحكم الروماني لسوريا) إتخذت وجهة حاصة أرادت بها السموّ بالمرأة. ودعت الى تمتين العلاقة الروحية بين الرجل والمرأة. وقدّرت الزواج تقديراً خاصاً. وحرّمت تعدد الزوجات، وضيّقت على الطلاق.
ودعت الى المحبة الُمثلى بين الرجل والمرأة.
سوريا الرومانية
أصبحت سوريا ولاية رومانية، بعد أن دخلها الرومان في عام (64 ق.م) وقد توحدت سوريا الطبيعية على يد الرومان تحت اسم (ولاية سوريا) وبقيت عاصمتها مدينة (أنطاكية) وقد شهدت سوريا قمة ازدهارها زمن اليونان والرومان. ويظهر هذا الازدهار في كتابات (سترابو) و(بليني) في القرن الأول للميلاد وفي هذا العصر ولد السيد المسيح. الذي جاء برسالة جديدة أساسها المحبة والسلام لجميع شعوب الأرض.
وقد فتحت أبواب النفوذ السوري في روما على مصاريعها، عندما نجح زوج سيدة من مدينة حمص بالوصول الى عرش القياصرة، وكانت تلك السيدة هي (جوليا دومنا) ابنة كاهن حمص، وتمّ الزواج من حوالي عام (187 م).
وُصفت (جوليا دومنا) بأنها كانت على جانب عظيم من الجمال والقوة الفكرية والمقدرة السياسية والأدبية. وقد ساعدت زوجها في تصرف شؤون الدولة.
وفي مدينة تدمر وسط سوريا ظهرت الملكة (زنوبيا) التي كانت ملكة قوية البنية، نشيطة ومولعة بالصيد وركوب الخيل. رعت الثقافة اليونانية، وكانت تتكلم الآرامية لغة سوريا الوطنية الى جانب اليونانية، وقد اتسعت دولة تدمر في عهدها، وأقيمت لها التماثيل، وقد قضى الرومان على هذه الدولة زمن الامبراطور الروماني أورلئان في عام (272 م).








