
د. علي زين العابدين الحسيني
ليست المقاهي في حياتي أماكن عابرة أقصدها لقتل الوقت، ولا هي كذلك بالمحطات المؤقتة التي يلوذ بها المسافرون ثم يمضون. كانت -ولا تزال- فضاءاتٍ حيّة تتنفس فيها الحكايات، وتتقاطع عند طاولاتها مسارات الناس وتجاربهم، حتى غدت في ذاكرتي جزءًا من سيرة العمر، لا يقل حضورًا عن قاعات الدرس ومجالس العلم.
أعشق حياة المقاهي بأسرها؛ فهي المأوى الصادق للحياة بلا تزيين ولا زخرفة. هناك تظهر الحياة كما هي، بعفويتها الصافية، وبصوتها الذي لم تمسه الصنعة. التقيت في زواياها بأناسٍ كثيرين، وتعرّفت على مئات الحكايات؛ فكل شخصية تحمل قصة، وقد تكون تلك القصة أثمن من كنوز الدنيا؛ لأنها خلاصة عمرٍ طويلٍ من التجارب والمحن والآمال.
لم أكن أجلس إلى طاولة في مقهى إلا وأنا أشعر أنني أدخل مكتبةً بشريةً واسعة، لا تُقرأ كتبها إلا بإنصات القلب وحضور الروح. فالوجوه هناك صفحات، والأصوات فصول، والحكايات عناوين لحياةٍ كاملة. وقد كنت أستمع أحيانًا إلى رجلٍ مسنٍّ يروي قصةً صغيرة من أيام شبابه، فإذا بها تكشف لي عن عالمٍ كاملٍ من الأحوال الاجتماعية والذكريات الإنسانية والسير الذاتية التي لا تجدها في الكتب.
تستحق ظاهرة كبار السن في المقاهي التأمل؛ فهم حرّاس الذاكرة الشعبية، يجلسون في هدوءٍ، ينثرون تجاربهم وحكاياتهم بخفةٍ وسهولة، ويفتحون بأحاديثهم صندوقًا قديماً من الذكريات. وما أيسر أن يعيدوا الماضي إلى الحياة بمجرد حديثٍ عابر؛ فقد تعيد حكاية قصيرة زمنًا بكامله إلى الوجود. وكنت كلما جلست إليهم شعرت أنني أستعيد قطعةً من تاريخٍ حيٍّ لم يُدوَّن بعد.
غير أن المشكلة التي كثيرًا ما لاحظتها أننا نمرّ على هذه اللحظات مرورًا سريعًا، دون أن نتوقف عند ما تنطوي عليه من ثراءٍ عميق. نجلس في المقهى، ونسمع بعض الكلمات، ثم نغادر دون أن ندرك أن بين أيدينا مادةً إنسانيةً خصبة، وقطعة اجتماعية عظيمة، لو أحسنّا الإصغاء إليها لأغنت عقولنا ووسّعت مداركنا؛ لأنّ جلسة بسيطة مع هؤلاء في المقهى قد تكون أكثر قيمةً ونفعًا من ندوةٍ ثقافيةٍ باردةٍ معزولة عن نبض الحياة الحقيقية.
تعلمت من المقاهي درسًا مهمًا: أن الثقافة ليست حكرًا على القاعات الرسمية، ولا على المنابر الأكاديمية وحدها؛ إذ الحياة نفسها مدرسة، والناس -مهما بدت حياتهم بسيطة- يحملون في ذاكرتهم كنوزًا من الحكمة والتجربة. وما على المرء إلا أن يجلس بينهم بصدقٍ وتواضع ليجد نفسه أمام عالمٍ كاملٍ من المعاني.
ولعل كثيرًا من مقالاتي وخواطري وُلدت في تلك الأماكن، فكم من فكرةٍ لمعت في ذهني وأنا جالس إلى طاولةٍ صغيرةٍ في زاوية مقهى! وكم من تأملٍ بدأ من حديثٍ عابرٍ سمعته من أحد الجالسين، ثم تحول في داخلي إلى معانٍ عميقة. كان قلمي يرافقني في تلك الجلسات؛ فهو أشبه برفيق سفرٍ صامت، يسجل ما يمرّ بخاطري من أفكار، ويحوّل لحظات التأمل إلى كلماتٍ تبقى بعد أن ينفضّ المجلس.
ومن نفائس تلك الجلسات أنني تلقيتُ في تلك المقاهي رواياتٍ عزيزة عن كبار الأدباء والمفكرين والمثقفين؛ تلك الروايات التي لم تُكتب في الكتب، ولكنها بقيت محفوظةً في صدور من عاشوا تلك الأزمنة؛ لأنّ بعض رواد المقاهي كانوا شهودًا على أحداثٍ ثقافيةٍ أو أدبيةٍ لم تصل إلينا إلا من خلال ذاكرتهم. وكان الإصغاء إليهم أشبه بالتنقيب في طبقات الذاكرة الثقافية للمجتمعات.
ولم يكن تعلقـي بالمقاهي مقتصرًا على مدينةٍ بعينها؛ فقد أصبحت عادةً ملازمة لي في أسفاري؛ ففي كل بلدةٍ أزورها أبحث عن مقاهيها القديمة، لأنني أدرك أن هذه الأماكن تختزن روح المدينة الحقيقية. فالمكتبات تعكس عقل المدينة، أما المقاهي فتعكس قلبها.
وكثيرًا ما جلست في مقهى لا أعرف فيه أحدًا، ثم ما هي إلا دقائق حتى أجد نفسي جزءًا من حديثٍ طويلٍ يمتد بين عدة طاولات؛ إذ المقاهي تملك قدرةً عجيبة على إزالة الحواجز بين الناس، يجلس الغرباء متجاورين، ثم لا يلبث أن يجمعهم خيطٌ خفيّ من الألفة، وربما يخرجون منها وقد امتدت صداقتهم لسنين طويلة. وقد أدركت مع مرور الزمن أن المقاهي ما هي إلا مسارح صغيرة للحياة اليومية؛ فيها ترى الفرح والحزن، الأمل والخيبة، الصداقة والخصومة، الحلم والواقع. وكل هذه المشاهد تمر أمامك في هدوء، كمن يتابع بشغف فصول روايةٍ طويلةٍ لا تنتهي.
لهذا كله بقيت المقاهي في حياتي أكثر من كونها عادة أو مكانًا للتسلية أو ملتقى للاجتماع مع الأصدقاء؛ لأنها نافذة أطل منها على الحياة، وأتعلّم منها قراءة العالم، وأتأمل بواسطتها أفكار الآخرين، وهناك بين ضجيج الأحاديث ورائحة القهوة وعمق التاريخ وعبق الأصالة، تتشكل في النفس رؤيةٌ أعمق للحياة، وتنكشف للإنسان معاني البساطة التي كثيرًا ما تغيب في زحمة التعقيد.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أنها تعلّم صاحبها التواضع؛ فكل إنسانٍ قد يحمل في داخله قصةً تستحق أن تُروى، وحكمةً تجدر أن تُسمع، ورواية تليق أن تسطر. ومن يجلس طويلًا في المقاهي، منصتًا إلى الناس، يكتشف أن العالم أكبر بكثيرٍ مما ترويه الكتب وحدها.
وهكذا أصبحت المقاهي على امتداد السنين جزءًا هادئًا من سيرتي وحياتي الشخصية؛ أماكن شهدت لحظات التأمل الأولى، واحتضنت بدايات كثيرٍ من الأفكار والكتابات. وربما لو تتبعت خيوط بعض مقالاتي وخواطري لوجدت أن بدايتها لم تكن في مكتبةٍ صامتة كغالب المثقفين، وإنما عند طاولةٍ صغيرةٍ في مقهى قديم في مدينة ممتدة بتاريخها، وفيها وفي غيرها تبدأ الحكايات، وتولد الأفكار، وتستيقظ الذاكرة.
وهنا أستحضر في الذاكرة القريبة من حياة هذه المقاهي جلساتنا في حي المهندسين بالقاهرة، مع أستاذنا الأديب الكبير حسين بافقيه والأستاذ القدير عبد الله الطياري، كانت ساعاتنا هناك ممتدة، لا نشعر بها إلا وقد مضت، نتحدث عن الأدب والذكريات، والعلماء وتراجمهم، وعن الناس وأحوالهم، والكتب وأربابها، فبقت هذه الأماكن شاهدة على أصواتنا، وعلى همساتنا الصغيرة التي لا يعرفها أحد غيرنا.
وما كان يضفي على اللقاءات رونقًا خاصًا، أن الأستاذ الطياري كان بعد كلّ جلسة يأخذنا بسيارته، نتجول في شوارع القاهرة في ليلها، نشاهد الأضواء تتلألأ على نهرها، ونستشعر روح المدينة في صمتها وجمالها؛ كأنه ابن من أبنائها البارين، العارفين لرونقها. ولعلي أكتب لاحقًا تفاصيل كلّ هذه اللقاءات، لتبقى هذه الأيام من الذكريات الحيّة، كما لو أن القاهرة نفسها تحفظها في زواياها!
