
د. علي زين العابدين الحسيني
احترتُ ماذا أكتب؟ فأنا أعرف ما أصاب الناس من فزعٍ في تلك الأيام بسبب فيروس (كورونا) المنتشر يمنةً ويسرةً، حيث دخل الخوف بسببه العالم شرقَه وغربَه، وتوقّع المكروه منه أكثر الناس، وأحسب أنه خوف طبيعي لا يُلام شخصٌ على ذلك. وأذكر أنني كنت أتابع كلّ ما يُنشر عن هذا الفيروس، فما من تقرير مقروء أو مسموع إلا وهو مزعج، ولا خبر تتناقله وسائل الإعلام إلا وهو متعب، ولا بيان يصدر عن الجهات الصحية المختصة إلا وهو محزن، ولا مقطع فيديو متداول عن المصابين به إلا وهو مرعب. وكان السؤال يتردد في نفسي، كما كان يتردد على ألسنة الناس: ماذا يمكن أن يفعله بنا الفيروس؟ ومتى تنتهي مآسيه؟ هل جرّبنا أن نعيش أحداثًا لا نعرف نهايتها؟ كنت أتساءل عن ذلك وأنا أرى العالم من حولي يتغير يومًا بعد يوم، وأتأمل خارطة العالم والتغيير الذي سيحدثه هذا الفيروس بعد القضاء عليه. وكنت أعتقد أن تغيرات كثيرة ستكون، وأن نهاية هذا الوباء لا يعلمها أحد من المختصين فضلًا عن العوام، لكنني كنت على يقين بأنها أقدار الله أجراها لحِكم لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى. الأمل وكانت كلمة الأمل هي الكلمة التي ألزم نفسي أن أرددها وأعيشها في أيام (الكورونا).
كنت أرى أن الأمل حلّ لكثير من المشكلات والعوارض، وربما تختلف طريقته، ويتغير مسمّاه حسب المواقف، لكن يبقى أنه المخرج الأسلم من الأزمات، وهو الطمأنينة وهدوء النفس. ولهذا كنت أكرر عبارات الأمل والتفاؤل والاستبشار بالخير على مسامع مَن حولي، خصوصًا لكبار السن والمرضى؛ لأنني كنت أؤمن أنها إذا تكررت على الأسماع تقررت في القلوب. ضُيّقت علينا الحياة في تلك الأيام بسبب فيروس (كورونا) لحِكم، وكنت أقول في نفسي: قد يكون هذا الأمر لما هو خيرٌ لنا في مستقبل عمرنا، فلا ينبغي أن نيأس، ولا أن نترك الأمل يخرج من قلوبنا. وكان مما رأيته في تلك الأيام، وبقي أثره في نفسي، أن قلوب العباد تعلقت بربهم، وبات الناس ينتظرون الفرج من المولى سبحانه، ويدعون ربهم في ذلة وخضوع أن يكشف ما حلّ بهم. وكنت أتأمل هذا المشهد فأدرك مرة أخرى أن انتظار الفرج من العبادات. وأفعال المحسنين في تلك الأيام، وكلمات التحفيز من أهل المروءة، وعبارات الطمأنينة من أرباب التخصص، ستعيش في قلوب الأمة عمرًا طويلًا؛ لأن التاريخ يسجل الإنجازات، ويرصد أفعال العظماء. وكنت أرى من حولي أشخاصًا محبطين، فإذا رأيت شخصًا وهو في غمرات إحباط المحيطين به، حاولت أن ألقنه الأمل، وأن أخبره عن أقدار الله، وعن أن ما نمر به، مهما اشتد، فإنه سيمضي. وبات معلومًا لي، كما أظنه بات معلومًا لكل شخص عاش تلك الأيام، أن عامل نجاح الدول ليس المال، وأن أرباب الاقتداء والفخر ليسوا مشاهير الرياضة والفن، وإنما النجاح في العلم، والأخذ بأسباب التطور، والعكوف في محراب المعرفة بجميع تخصصاتها. ولعل تلك الأيام كانت كفيلة بأن تفيق العقول، وتتجه إلى ما هو أنفع لها. وقد تعرّف المجتمع في تلك المحنة على فئة قليلة عاملة في صمت، ولا يقل دورها عن دور الجنود المرابطين على حماية الحدود؛ وهم فئة الأطباء وأعوانهم؛ فاتجهت إليهم الأنظار بالتقدير والاحترام والثناء والدعاء، وسقطت الأقنعة عن كثيرٍ من المشاهير ممن لا حاجة مرجوة من تصديرهم في المجتمع.
كنت أحاول، وأنا أعيش تلك الأيام، أن أرى بارقة الخير وسط كل ذلك الخوف. بينما اليأس إذ الأمل، وبينما الحزن إذ الفرج، وبينما الكورونا إذ العافية، وبينما التوتر إذ راحة البال، وبينما الجهل بأسباب التقدم إذ الاهتمام بالعلم. وقد أنستنا الأيام السابقة المخاطر المحتملة من الفيروسات وانتشارها كالكورونا، وتجاهلنا قوة العلم ووسائل التطور، فأرجو ألا تفقدنا أيام الكورونا الأمل والتفاؤل والاستبشار بالخير. ولعل هذا من أكثر ما بقي في نفسي من تلك التجربة: أن المحن لا ينبغي أن تمر بنا ثم تنتهي دون أن تترك فينا أثرًا. وفي أيام كورونا كنت أردد: انشروا الأمل، فإن لم تستطيعوا فعودوا أنفسكم التفاؤل، فإن لم تستطيعوا فالتزموا الصمت، وهو أقل المطلوب. واليوم، كلما تذكرت تلك الأيام، لم أتذكر الخوف وحده، ولا الأخبار المزعجة ولا صور المرضى والمستشفيات، وإنما أتذكر معها تلك المعاني التي كشفتها المحنة: تعلق القلوب بالله، وانتظار الفرج، وقيمة العافية، ومكانة العلم، وفضل أولئك الذين يعملون في صمت. وهكذا بقيت الكورونا في ذاكرتي تجربةً لم تكن عابرة كما ظننا في بدايتها؛ فقد علّمتني أن الإنسان قد يعيش أيامًا لا يعرف نهايتها، لكنه يستطيع أن يختار كيف يعيشها: بالخوف وحده، أو بالخوف الذي يصاحبه الرجاء.








