
د. علي زين العابدين الحسيني
كان “وباء الكورونا” علامة فارقة في حياتي، لحظة انكشاف كبرى، أعاد فيها الزمن ترتيب نفسه، وانقسمت الأيام بوضوح إلى ما قبل الوباء وما بعده. عاصرته كما عاصرته الإنسانية جمعاء، حين بدأ يتسلل إلى البلدان واحدًا تلو الآخر، حتى لم يترك جهة من جهات الأرض إلا وبلغها، فانتشر شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا، وألقى في القلوب خوفًا كثيفًا لم نألفه من قبل. لم يميّز بين غني وفقير، ولا بين كبير وصغير؛ الجميع وقفوا على المسافة نفسها من القلق والترقّب.
أستعيد بداياته الآن، فأتعجب كيف تحوّل ما كان يبدو ضربًا من الخيال إلى واقع يومي ثقيل الوطأة. لو أن أحدًا حدّثني قبل ظهوره بأشهر عن وباء عالمي يغيّر شكل الحياة، ويعطّل الحركة، ويجعل البقاء في البيوت قاعدة عامة، لظننته يستدعي مشاهد من روايات بعيدة أو ينسج صورة لا مكان لها في الواقع. لكن الحقيقة جاءت صلبة، مباشرة، لا تقبل التشكيك. جاءت ومعها آثار اقتصادية واضحة، ونتائج اجتماعية عميقة، وأعباء نفسية خفية تسللت إلى النفوس دون استئذان.
كنت أرى الحيرة في العيون، وألمس القلق في نبرات الحديث، وأشعر بأن الخوف صار جزءًا من اليوميات. الأخبار تتكرر، والأرقام تتغير، والقلوب معلقة بما سيأتي. ومع سرعة انتشار الوباء، اتجه العالم إلى إجراءات حازمة للحدّ منه. بدت هذه الإجراءات في بدايتها قاسية على كثيرين، وربما شعر البعض بأنها تضيّق عليهم، وتنتزع منهم إيقاع حياتهم المعتاد، غير أن جوهرها كان حماية الأرواح وتقليل الخسائر، والتعامل مع الخطر بعقل متيقظ وحذر طويل النفس.
تغيّرت ملامح الحياة اليومية بصورة لم نكن نتخيلها. أُغلقت المدارس، وتوقف الحضور المباشر، وتحولت البيوت إلى مساحات متعددة الوظائف؛ مكان للعيش، وللتعلم، وللعمل في آنٍ واحد. ظهرت أنماط جديدة من التعليم عن بُعد، وازدحمت الشاشات بمنصات رقمية لم تكن مألوفة من قبل. وفي الوقت نفسه، برزت مبادرات تطوعية، خاصة من الشباب، شاركوا في تعقيم الأماكن العامة، وفي تقديم صور مختلفة من الخدمة المجتمعية، كأن الجميع يحاول أن يفعل ما يستطيع في حدود الممكن.
داخل البيوت، حدث ما يشبه العودة إلى الجوهر. خفتت الضوضاء، وتباطأ الإيقاع، واستقرت الأسر في مساحاتها الضيقة. وجد الأبناء آباءهم أقرب، واكتشف كثيرون تفاصيل من الحياة العائلية لم يكونوا يلتفتون إليها من قبل. ومع هذا السكون، ترسخ وعيٌ جماعي بخطورة الوباء، وبأن البقاء في المنازل لم يعد مسألة اختيار شخصي، وإنما هو ضرورة تمليها السلامة العامة. قلّ الخروج إلا للضرورة القصوى، وصارت الشوارع شبه خالية، وتحول الالتزام إلى سلوك عام يحمي الجميع.
غير أن هذا الهدوء لم يكن شاملًا. فبينما توقفت عجلة الحياة لدى كثيرين، كان هناك من تضاعفت أعمالهم، وازدادت مسؤولياتهم، وثقلت أيامهم. كنت أراقب المشهد من زاوية أوسع، فأرى بوضوح فئتين لم تعرفا معنى التوقف في تلك المرحلة.
أما الفئة الأولى، فهم الأطباء. أولئك الذين ارتدوا معاطفهم البيضاء ومضوا إلى المواجهة اليومية مع الخطر. تضاعفت ساعات عملهم، وتراكمت مهامهم، وكانوا مؤتمنين على أرواح كثيرة، يعرفون حجم التهديد، ومع ذلك لم يتراجعوا. وفي هذا الوقت الذي عمّ فيه الخوف والانعزال التام جسّدوا شجاعة هادئة، لا تبحث عن الأضواء، ولا تنتظر الثناء، لكنها تؤدي واجبها بثبات وصبر.
وأما الفئة الثانية، فهي الأمهات. مع استقرار الأسر داخل البيوت، تضاعفت الأعباء اليومية على ربات البيوت. أصبحت الأم محور الحركة داخل المنزل، تدير التفاصيل الصغيرة والكبيرة، تلبّي الاحتياجات، وتوفّر جوًّا من الطمأنينة، بينما ينشغل الآخرون بفراغهم أو قلقهم. كان دورها صامتًا في أغلب الأحيان، لكنه عميق الأثر، ولا يقل أهمية عن أي دور آخر في هذه المرحلة.
وهكذا تبلورت لدي قناعة واضحة: الجميع كانوا في حالة توقف مؤقت، إلا الأطباء والأمهات. أولئك الذين واصلوا العطاء دون ضجيج، وحملوا عبء المرحلة على أكتافهم. لهم جميعًا أكتب هذا الامتنان، وأسجل هذه الشهادة بعد هذه السنوات، وللإنسانية كلها أمنية صادقة بأن تتجاوز كل المحن مستقبليًا، ويخرج العالم من كل محنة أكثر وعيًا بأهمية السلامة من الآفات العامة، وأكثر تقديرًا لمعنى التضامن والمسؤولية المشتركة.
