
بقلم: د. علي زين العابدين الحسيني
لا ريب عندي أن الحفاظَ على واجبِ الكتابةِ بات من أشقِّ الأمور في عصرنا، في ظلِّ ما تفرضه الحياةُ من تحدّياتٍ وضغوطٍ لا تنتهي؛ فالكاتبُ يعيش في زمنٍ تتكاثر فيه الملهياتُ وتضيقُ فيه المساحاتُ التي تتنفّس فيها الأرواح. ومع ذلك، يحاولُ أن يُبقي قلمَه حيًّا، يقاومُ به الخفوتَ والنسيان، ويدفعُ عن نفسه غبارَ الانشغال الذي يغمر العقول، يكتبُ وهو يعلم أن الكلمةَ باتت غريبةً في زمنِ الضوضاء، وأن الصمتَ أحيانًا أرحمُ من الضجيج، لكنه يأبى إلا أن يكتب؛ لأن الكتابةَ عنده ليست ترفًا، لكنها جزءٌ من تركيبِ روحه.
وكم من صعوباتٍ واجهتُها وأنا منغمسٌ في هذا العالم الذي تخفى معالمُه على كثيرٍ من القرّاء!
فالقارئ لا يرى من النص إلا وجهَه المنشور، يقرؤه على أريكته في هدوءٍ وسكون، وربما تمرّ به الجملةُ فتُعجبه، لكنه لا يعلم كم ليلةٍ سُهرت لأجلها، وكم فكرةٍ وُلدت ثم ماتت قبل أن ترى النور.
يدرك الكاتبُ وحده أن كل سطرٍ هو معركةٌ صغيرة، وكل فقرةٍ ثمرةُ صبرٍ طويل. بين مسوّدةٍ تُلقى، وأخرى تُعاد، ومراجعةٍ تلي مراجعة، يعيش الكاتب حالةً من الشكّ واليقين، والقبول والرفض، حتى يشعر أن النصّ هو مزيجٌ من قلبه وعقله وعرقِ أيامه.
حين يكتب الكاتبُ في عالمنا العربي يكتب بعقله وقلبه، لكن نصفَ عقله -أو أكثر- يظلُّ منشغلًا بمعاشه وحياته وأعماله.
يكتب وفي ذهنه قلقُ الغد، وثقلُ المسؤوليات، وتفاصيلُ العمل والأسرة والرزق.
وما أقسى أن تجمعَ بين القلم والحياة اليومية! فكلُّ لحظةٍ يختطفها من وقته، كأنما ينتزعها من بين أنيابِ الواجبات، ومع ذلك يكتب، لأنه يشعر أن الكتابةَ خلاصُه الوحيد؛ فهو لا يهرب بها من واقعه، وإنما يواجهُ واقعه بها، يسكبُ فيها وجعه، ويخبّئ بين سطورها ما لا يقدر أن يقوله لأحد.
لا تُدرُّ الكتابةُ في عالمنا اليوم مالًا، ولا تُؤمِّن عيشًا، ولكنها تُنبت حياةً في القلب. هي بلا شك خسارةٌ مالية وربحٌ روحيّ، إنفاقُ عمرٍ لا يعود، لكنه عمرٌ مستعادٌ في كل قارئٍ يتأثر، وفي كلّ فكرةٍ تبقى بعد صاحبها.
يكتبُ الكاتبُ لأنه لا يملك التوقف، ولا يحبذ حياة العامة؛ لأن الكتابةَ تحوّلت من عادةٍ إلى ضرورةٍ، ومن هوايةٍ إلى هواءٍ يتنفسه. إنه يدرك أنه لو ترك القلمَ يومًا لانطفأ داخله شيءٌ لا يُستعاد.
الكتابةُ هي مهنةُ الشقاء، وميدانُ القلق، ومدرسةُ الصبر.
من اختارها فقد اختار طريقًا مليئًا بالعزلة، لأن الكاتبَ يعيش بين الناس، لكنه لا ينتمي إليهم تمامًا. يعيش في عالمٍ آخر، يراقب، ويتأمل، ويخزن التفاصيل الصغيرة ليحوّلها إلى كلمات. هو في حوارٍ دائمٍ مع نفسه، وفي خصومةٍ مستمرةٍ مع نصوصه، لا يرضى عمّا كتب، ولا يكتفي بما قال. إنه يراجع نصَّه كما يراجع الطبيبُ نبضَ مريضه، يتفقدُ الجملَ، ويقيسُ حرارةَ المعاني، ويبحثُ في النص عن روحه، فإن لم يجدها أعاد الكتابةَ من جديد.
وما الفائدةُ من كل ذلك؟
سؤالٌ يتردّد في النفس كثيرًا، لكن الجوابَ يأتي من القلب لا من العقل: لا فائدةَ مادية، ولكن في كل نصٍّ نكتبُه خلاصٌ من وجعٍ دفين، وفي كل سطرٍ ننشرُه راحةٌ تشبه الدعاء.
الكتابةُ ليست مهنةً بالمعنى التقليدي، وإنما هي حالةُ وعيٍ دائمة، وسلوكٌ تعبّديٌّ تجاه الجمال والمعنى. هي محاولةٌ يومية لإنقاذ الذات من الانطفاء، وصونُ ما تبقّى من الحلم في وجه الواقع الصلد.
وسواء كتبنا لأننا أردنا الكتابة، أم لأن الكتابةَ أرادتنا، فلا مفرَّ من الاعتراف بأنها قدرٌ لا يُدفع. فالكاتبُ حين يحاولُ أن يبتعد، يجد الكلمات تطارده، تتسلل إليه في الطريق، وفي العمل، وفي لحظاتِ السكون. وما أن تأتي الفكرةُ حتى يتوقف الزمنُ كله، ولا يعود يسمع إلا صوتها، يكتبها كأنما يكتب وصيته الأخيرة.
لهذا، لا نحتاج إلى مكتبٍ أنيق، ولا إلى سكونٍ كامل؛ نكتب في المقهى، وفي الطريق، وفي ضوءٍ خافتٍ قبل النوم؛ فالكتابةُ ليست مكانًا، بقدر ما هي حالة من الحضور الكامل.
الحمدُ لله الذي جعلنا من زمرةِ الكُتّاب، الذين يحيَون بالكلمة، ويُروون أرواحَهم بالحرف. نكتبُ لنحيا، ونحيا لنكتب، نُقاومُ بالمعنى هذا الزمانَ المرهق، ونؤمن أن الكلمة الصادقة -مهما ضعُف صوتُها- قادرةٌ على أن تُحدث أثرًا يبقى.
فالكتابةُ في جوهرها فعلُ حياةٍ ضدّ الفناء، وشهادةُ وجودٍ في وجه النسيان.
