
د. علي زين العابدين الحسيني
أنشأت صفحة باسمي في “الفيس بوك” سنة 2021م، وتكونت لدي صداقات افتراضية كثيرة، تشرفت بها، تبادلنا الحديث، وانتفعت بكتابات كثيرين من أرباب الأدب والفكر، لكن المؤسف في هذا البرنامج أن تنتهي الصداقة في صمت، والصمت حينئذٍ ليس كلمة عابرة ولا خيارًا سهلًا، وإنما هو نوع من النهاية التي لا يُكتب لها مشهد، ولا يُسمع لها وقع. ومع كل منشور قديم يطفو على صفحة “فيس بوك”، تظهر لك إشارات التفاعل القديمة: إعجاب من صديقٍ لم يعد موجودًا في قائمتك، أو تعليقٌ من وجهٍ لم يعد يطلّ عليك في ساحة افتراضية كانت تجمعكما. وهنا تدرك -من غير إنذار- أن أحدهم انسحب، وأن صداقة ما قد تلاشت، ليس بضوضاء الخصام، ولا بضجيج العتاب، وإنما بخطوة صامتة لا يراها إلا قلبك.
إن ما يؤلم في هذه اللحظة ليس الفقد ذاته، لكن طريقة حدوثه. فالوداع حين يُقال ولو بعبارة مقتضبة، يمنحك على الأقل إحساسًا بوجود معنى للغياب، لكن الانسحاب في صمت يُشعرك وكأنك لم تكن جديرًا حتى بكلمة خفيفة، أو تفسيرٍ بسيط. كأن العلاقات بكل ما حملته من ذكريات ورسائل وضحكات لم تستحق لحظة اعتراف، أو وقفة تقدير.
قد أجد نفسي أحيانًا ألتمس العذر لمن ينسحب بصمت، فالحياة ثقيلة، ومشاغلها تتراكم، والقلوب تتقلب، والناس ليسوا سواء في طاقاتهم على البقاء. وربما انسحب أحدهم لأن البقاء كان يرهقه أكثر مما يحتمل، وربما لأنه اختار العزلة طريقًا يظنه أسلم لقلبه، وربما لأنه جُرح جرحًا لم يستطع التعبير عنه، فآثر أن يبتعد دون أن يفسد الصورة بالكلام. ومع ذلك يبقى الصمت ثقيلًا، يترك فراغًا داخليًا أكبر من حجمه الرقمي، وكأننا نُعاقَب بما لم يُقَل.
ليست الصداقة أرقامًا في القوائم، ولا إشعارات تظهر وتختفي؛ إذ هي وجوه عرفناها، وقلوب فتحت لنا أبوابها في لحظة صفاء. هي كلمة صدرت في وقت احتجناها، أو ابتسامة عابرة خففت عنّا عبئًا ثقيلاً. فكيف لا يُؤلم أن ترى هذه الروابط تذوب في فضاءٍ بارد، لا يترك وراءه إلا آثارًا باهتة؟ إننا حين نفقد صديقًا في الواقع، يبقى وجهه وصوته وذكراه، أما حين نفقد صديقًا في العالم الافتراضي، قد لا يبقى سوى تعليق قديم أو “إعجاب” محفوظ في ذاكرة الخوادم، وهو أثر هشّ لا يقاوم الغياب.
والأشد قسوة أن الصمت يحجب حتى حق السؤال. فحين يغادر صديقك بلا كلمة، تُترك معلّقًا بين ظنون شتى: أكان انسحابه بدافع النسيان؟ أم كان اختيارًا واعيًا يفرضه جرح لم يُفصح عنه؟ أم كان الأمر مجرد ملل عابر؟ كل الاحتمالات واردة، لكن الجواب يبقى بعيدًا، والصمت يظل جدارًا يحجبك عن الفهم. وهنا تنشأ المرارة: لا لأنك فقدت شخصًا، لكن لأنك فقدت الحق في أن تفهم سبب الفقد.
ولعل المفارقة أن العالم الافتراضي الذي وُجد ليقرّب المسافات ويختصر الطرق، صار يُسهّل أيضًا الانسحاب البارد، ويجعل التلاشي أكثر صمتًا؛ بضغطة زر يُمحى الاسم من قائمة الأصدقاء، وينتهي الحضور وكأنه لم يكن. وفي الزمن القديم كانت العلاقات تُفكّك ببطء: بغياب الزيارة، أو فتور الرسائل، أو خلاف ظاهر. أما الآن، فالغياب فوري، صامت، محمي بجدار من التقنية.
غير أن في هذا التلاشي درسًا عميقًا: أن ما يبقى هو الأثر وليس العدد؛ فالقيمة الحقيقية ليست في أن يكون لديك مئات الأسماء التي تملأ قوائمك، وإنما أن يظل في داخلك أثر صادق، علاقة قليلة العدد عظيمة المعنى. فالصداقة الحقيقية لا يقيسها “إشعار الحذف”، ولا يطفئها غياب التفاعل. هي تسكن في القلب، حيث لا تصل يد القوائم، ولا تمسها ضغطة زر.
وحين أنظر إلى هذا كله أدرك أن الصداقة التي تنهار بالصمت لم تكن متينة بما يكفي، وأن العلاقات التي تصمد هي تلك التي تُبنى على ما هو أعمق من مجرّد الحضور الافتراضي. إن التلاشي وإن كان مؤلمًا، إلا أنه يكشف لك عن معدنٍ آخر: من يبقى رغم الصمت، ومن يُواصل رغم البعد، ومن يحفظك في الدعاء حتى وإن غاب عنك في الشاشات.
إنني لا ألوم المنسحبين بقدر ما أتأمل الظاهرة؛ فلا يُطلب في النهاية من أحد أن يبقى رغمًا عنه، ولا أن يحمّل نفسه فوق طاقتها. لكن يبقى الصمت قاسيًا؛ لأن فيه نوعًا من الإنكار: إنكار لتاريخٍ جمع بين أرواح، وإنكار لمعنى صنعته لحظة صدق.
قد نتألم من التلاشي، لكننا نتعلم منه أن نخفف التعلق بما لا يدوم، وأن نستثمر فيما يبقى. وربما هذا هو الدرس الأصدق: أن نبحث عن صداقات أعمق من العالم الافتراضي، صداقات لا يهددها زرّ، ولا يطويها غياب، صداقات تُكتب في القلب لا في الشاشة، وتبقى حتى بعد أن يتلاشى كلّ شيء.
