
د. علي زين العابدين الحسيني
ما زلت أذكر أولى لحظاتي مع الطموح كانت حلماً مشتعلاً في أعماقي، لا يعرف السكون ولا يرضى بالقليل. كنت أركض نحوه بلهفة الظمآن، ظنًّا مني أنّ بلوغ القمة سيمنحني راحةً دائمة، وسعادةً لا تنضب، وكأنها الجائزة الكبرى التي عندها ينتهي الشقاء وتبدأ فصول النعيم.
لكني كنت واهمًا…
فالطريق لم يكن معبّدًا كما تصوّرت، ولا القمة كما تخيلتها. كان الطريق طويلاً، مليئًا بالجهد، والوحدة، والانكسارات الخفية، ومع كل خطوة كنت أخسر شيئًا… راحةً، أو صديقًا، أو حتى جزءًا من نفسي، وعندما بلغت شيئًا مما سعيت إليه، نظرت خلفي، فلم أجد أحدًا يبتسم كما كنت أتوقع، ولا كتفًا أربّت عليه فخورًا، وإنما وجدت وجوهًا واجمة، صمتًا يشي بالحسد، وعيونًا تراقب لا إعجابًا، بل حذرًا.
أدركت متأخرًا أن النجاح ليس مرحبًا به في كل مجلس، وأن التميز ثقيل على نفوسٍ لم تألف إلا الاعتياد. لم أعد “فلانًا” الذي يعرفونه، وإنما أصبحت “هو” الذي ظنّ نفسه أعلى منهم، ولو لم أقل شيئًا، تغيّرت نبرة الحديث، واختفت الدعوات، حتى الأقرباء بدَوا كأنهم لا يعرفونني، إلا حين تذكروا فجأة أنني تجاوزتهم.
تساءلت كثيرًا: لمَ لا نفرح لنجاحات من حولنا؟ لمَ نؤذي بعضنا حين يضيء أحدنا شمعة في العتمة؟ ثم فهمت…
النفوس المتعبة لا تحتمل أن ترى أحدًا يُشفى، والقلوب المكسورة لا تفرح بمن بنى نفسه من لا شيء.
وكنت أظن أنّ الحاقدين يُظهرون كراهيتهم جهارًا، لكني تعلمت أن الأذى الأشد هو ما يُقال في الغياب، وما يُكتم في الحضور، ويُلمح في نظرة، أو في جملة عابرة.
غريبٌ هو النجاح، ظننته جسرًا يصلني بالناس، فإذا به جدارٌ يعزلني عنهم.
وكم من صديقٍ بالأمس بات غريبًا، وكم من قريبٍ أمسكني بيد، وخبّأ السكين في الأخرى.
لكن رغم كل ذلك… لم أندم. لقد ربّاني الطريق على الصبر، علّمني أن أكون سندي حين تخلّى الجميع. عرفتُ أن الدافع الحقيقي لا يأتي من هتاف الجمهور، بل من نداءٍ داخليٍّ يقول: “لا تتوقف”.
وإن كانت الجموع لا تصفّق لك، فامضِ، وإن اختفوا في عزّ لحظاتك، فلا تتراجع.
وإن أوجعتك الوحدة، تذكّر أنّك صعدت الجبل وحدك، لأنك وحدك من آمن بالحلم.
هكذا أصبحت أعرف: الناجح لا يُطلب منه أن يكون لامعًا فقط، بل أن يحتمل الغيرة، والنقد، والتهميش، وربما الطعنات.
لكنّه، رغم كل ذلك، يبقى في الأعلى… يواصل، لأنه لا يعرف طريقًا غير الاستمرار.
لكن ما لم يخبرني به أحد هو أن النجاح لا يُقاس فقط بما أحرزت من إنجازات، وإنما بما بقي منك بعد كل تلك المعارك. هل بقي قلبك سليمًا؟ هل لا تزال تُحبّ ما تفعل؟ هل ما زلت قادرًا على أن تحلم، وتضحك، وتشارك الآخرين ضوءك دون أن تخاف من انطفائه؟
لقد تعلّمت أنني لا أُريد نجاحًا يُقصيني عن ذاتي، ولا تميزًا يُفقدني إنسانيتي. أريد أن أصل، نعم، لكن لا على حساب روحي، ولا على جثث العلاقات التي أحببتها يومًا، أريد أن أنجح لأنّي أحبّ الحياة، لا لأُثبت لأحد أنّي أستحقها.
ولذلك بدأت أُصلح ما استطعت مما كسرته الطريق. عدتُ إلى من بقوا بقربي رغم المسافة، وصنعت صداقاتٍ جديدةً تقبلني كما أنا، لا كما يجب أن أكون. لم أعُد أبحث عن التصفيق، ولم أعُد أُقايض قلبي بالدرجات والجوائز، وإنما أحتفي كلما استيقظت وأنا ما زلت أحبّ ما أفعل، فالطموح ليس سباقًا يُنهكك، وإنما هو مسارٌ طويل، فيه محطات استراحة، وناس طيبون، وسماء صافية تنتظر من يرفع عينيه إليها.
والقمة؟ لم تَعُد هدفي كما كانت، وإنما المهم أن أصل نفسي إلى السلام، وأمضي بقلبٍ ممتلئ، ووجهٍ لا يطفئه الغياب، ولا تعكرّه نظرات الحسد.
