اللغة لا تطير بأجنحة النحو

حيدر الأديب
ماذا ورثنا؟
لسانا حيّا أم سجالات مدرسية، بصريون وكوفيون، علل أولى وثواني، تقدير محذوفات لا يسمعها أحد، قواعد أم تأويلات وتعليلات ذهنية أقرب إلى الفلسفة المدرسية منها إلى اللسان الحي زرع فيها المنطق الأرسطي نطفه.
ورثنا عقلا نحويا غير محسوم في تراكمه لمبانيه، لم نرث لسانا عربيا ولماذا نرث والقران فينا وهذا لسان عربي مبين.؟
سبع سماوات مرهقة بما فرض عليها من تفسيرات، وتأويلات، سبع سماوات مغلقة تبرر نفسها بنفسها
أزمة في القاعدة وأزمة بأسلوب عرضها، لغة واحدة، بقواعد متنازعة، وسلطة تعليمية تريد يقينًا من نظام بُني أصلًا على الاختلاف.
الأختلاف رحمة، نسلم بذلك، ولكن شرط ان لا يتحول النحو من علم يصف الكلام إلى علم يدافع عن رأي. شرط أن نردم الانفصال بين اللغة كما تُقال، واللغة كما تُدرَّس.
مخجل بعمق على مستوى الفرد وعلى مستوى النظام المعرفي كلّه.
أن يحتاج الإنسان إلى شهادة أكاديمية ليُثبت إتقانه لقواعد لسانه الذي وُلد فيه، فهذا يعني أن العلاقة بينه وبين لغته انكسرت مبكرًا ولم تعد بيتًا طبيعيًا، ولم تعد ممارسة حيّة، أصبحت اعتمادًا رسميًا ومؤسسة رسمية
اللغة الأم تُكتسب بالعيش، بالاحتكاك، بالخطأ، بالتصحيح الطبيعي داخل الجماعة.
أما حين تتحول إلى مادة امتحان، وسلطة تقييم، وشهادة تُعلّق على الجدار، فهذا إعلان غير مباشر عن فشل التعليم والمتعلم
الأدهى أن هذه الشهادة لا تُنتج فصاحة بالضرورة، ولا قدرة على التفكير، ولا حسًّا أسلوبيًا. كثيرًا ما تُنتج خبيرًا بالقواعد، عاجزًا عن كتابة فقرة حيّة، أو بناء حُجّة، أو صياغة سؤال ذكي. كأننا نمنح رخصة سباحة لمن يحفظ قوانين الطفو، دون أن ينزل الماء.
من المخجل أن تحتاج اللغة إلى ترخيص رسمي كي تُستعمل، لأتها عندئذ لغة فقدت ثقتها بنفسها، وفقد أهلها الثقة بها.
المفارقة التي تؤلم حقا أن نُطالب الطفل أن يتقن لغة أجنبية بالممارسة والتواصل،
ونُطالب الشاب أن يتقن لغته الأم بالحفظ والتجريد والرهبة
اللغة لا تحتاج شهادة، وحتى هذه الشهادة هي شهادة اعتبارية
اللغة تحتاج أن تُعاد إلى مكانها الطبيعي في الكلام، في التفكير، في الكتابة، في الشارع، في السؤال اليومي. وحين تستعيد العربية هذا الموقع، ستصبح الشهادة إضافة معرفية…
الفصاحة اليوم هي وعي بشروط العصر الذي تُقال فيه اللغة، وفهم لتحوّلات الزمن، وسرعة التلقّي، وتبدّل الذائقة.
والبلاغة هندسة الأثر عبر الوسيط المناسب.
يأتي الاحتفال بيوم الضاد بوصفها رمزًا لا يمت الى الممارسة بشيء
إنها لافتة، يوم في التقويم، لا وجود لها في الحياة اليومية، من التفكير، من الحجاج، من إنتاج المعنى
نطالب بلغة أم، ونفكر بلغة مستعارة. ونرفع شعار الهوية، ونخجل من أدواتها.
نحن لا نحتفل بالعربية كقدرة راهنة على التفكير المعقّد. ما زلنا نحمل في جيوبنا صورا التراث
اللغة التي لا تُستعمل في السؤال، والشك، والتحليل، والكتابة الحية، تتحول إلى متحف.
والمتاحف لا تُنتج مستقبلًا.
العربية تُدرَّس غالبًا خارج الزمن.
نصوص منفصلة عن السياق، أمثلة مصطنعة، شواهد لا تُقنع الذائقة المعاصرة، ولا تُلامس الأسئلة الراهنة.
حين يفتخر أحدهم بإتقان أربع لغات، فغالبًا ما يكون ذلك لأن اللغة الأم لم تُقدَّم له بوصفها لغة حياة معرفية.
اللغات الأخرى فُتحت له كبوابات، والعربية قُدِّمت له نحو السجون
يجب ان لا نفكر بالشعر وحده كمنقذ للغة فنحن نسلم بان الشعر رئة اللغة، ولكن الجسم لا يبنى بالرئة وحدها
لغة لا يفهمها إلا النخبة، ولا يجرؤ العامة على استعمالها، لغة معطوبة مهما كان شعرها بديعًا.
