كبسولة حنان

حنان شلبي
في تطور خطير هز المنطقة قامت إسرائيل بقصف الدوحة و استهداف قيادات حركة حماس على الأراضي القطرية ! مما أثار عاصفة من التساؤلات حول تداعيات الهجوم على عملية السلام وانتهاك السيادة الوطنية القطرية وموقف الحلفاء الدوليين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية!
وقد شهدت هذه الحادثة تحولاً لافتاً في المواقف حيث بدأ العديد من المسارعين بتأييد العملية في البداية من الجنرالات و السياسيين داخل إسرائيل إعادة النظر في مواقفهم لاحقاً خاصة بعد الإعلان عن فشل المهمة و تصريحات واشنطن بأنها أبلغت قطر عن الهجوم قبل وقوعه بفترة قصيرة،،
هذه الواقعة تذكرنا بأن في العلاقات الدولية كما في الحياة القفز إلى الاستنتاجات دون معرفة كل الحقائق يمكن أن يؤدي إلى مواقف محرجة وأحياناً إلى عواقب أكثر خطورة!
بالطبع أثار الهجوم ردود فعل دولية واسعة من دول عربية وإسلامية أدانت الانتهاك الصارخ للسيادة القطرية و منظمات دولية حذرت من تصاعد العنف وتقويض عملية السلام كما ان هناك دعوات للضغط و المطالبة بتحرك دولي لوقف التصعيد،،
و إن كان الهجوم الإسرائيلي على قيادات حماس في قطر له ما بعده و تداعيات خطيرة على المفاوضات والسيادة والعلاقات الدولية فإن هذا الهجوم يتجاهل القنوات الدبلوماسية المتاحة و سابقة خطيرة تهدد استقرار النظام الأقليمي بأكمله فى وقت بالغ الحساسية ! و الجميع يتسائل الأن هل قطر التي تلعب دور الوسيط فى المفاوضات بين حماس و إسرائيل سوف تغلق هذا الباب و يبقي التصعيد هو سيد الموقف ؟ خصوصا بعد تهديد رئيس الوزراء الاسرائيلي لكل الدول التي تأوي إرهابين على حد قوله بأن عليهم طرد هؤلاء و إلا أصبحوا هدفاً مشروعاً لهجمات إسرائيلية كما حدث فى قطر كما شبه هذه العملية بإستهداف أمريكا أسامة بن لادن فى باكستان على خلفية أحداث الحادي عشر من سبتمبر و نسي أن أمريكا لم تفاوض القاعدة أو بن لادن كما هو الحال بالنسبة لمحاولة نتنياهو أغتيال وفد يتفاوض معه ! لقد أغلق بذلك الهجوم أبواب الحلول السلمية و منح الذراع العسكري لحماس مبررات للتصعيد و قوض و دمر جسور الثقة المبنية بشق الأنفس بين الأطراف المختلفة و أحرج واشنطن،،
و يتسائل البعض هل إسرائيل تتصرف منفردة دون تنسيق كامل مع حليفتها الرئيسية ؟ و عن قدرة واشنطن على الضغط على إسرائيل لإيقاف الحرب ،، مأزق دبلوماسي لواشنطن يضع الإدارة الأمريكية في موقف محرج بين دعم حليف استراتيجي والالتزام بمواثيق القانون الدولي،،
إن الهجوم الإسرائيلي على قطر وضع الولايات المتحدة في موقف بالغ الحرج يتجاوز مجرد “إحراج” دبلوماسي عابر ليصل إلى قلب مصداقيتها كشريك وحليف موثوق به !يكمن جوهر هذه الأزمة في التناقض الصارخ بين الوجود العسكري الأمريكي الضخم في قطر والاعتداء على سيادتها فى ظل وجود قاعدة العديد الجوية التي تعد واحدة من أكبر القواعد الأمريكية في الخارج ومركزاً عملياتياً حيوياً للعمليات في المنطقة يفترض ضمناً وجود “اتفاقية دفاع” و بينما تركز هذه الاتفاقيات رسمياً على حماية قطر من تهديدات خارجية فإن وجود قوة عسكرية بهذا الحجم يخلق التزاماً أخلاقياً وسياسياً بحماية شريك يستضيفك ويحمي قواعدك ! إن فشل واشنطن في منع أو حتى الاستجابة بشكل حازم لهجوم على أراضي هذا الشريك يرسل رسالة مفادها أن هذه الحماية انتقائية ومشروطة مما يقوض الأساس الكامل لشرعية الوجود الأمريكي ،، خصوصاً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه أبلغ قطر بالهجوم ليتضح لاحقاً انه أبلغهم بعد عشر دقائق من الهجوم حسب تصريحات الجانب القطري ! الأكثر غرابة فى تصريحات الرئيس الأميركي من وجهة نظري عندما قال للقطريين “أن مثل هذا الأمر لن يحدث مرة أخرى على أرضهم”!
إن تصريحات ترامب لم تكن كافية و لم يدين الهجوم بشكل واضح و إن كانت واشنطن عاجزة عن منع حليفها من تنفيذ هجوم يمس سيادة دولة أخرى تستضيف قواتها فما هي قيمة “الضمانات” الأمنية الأمريكية للحلفاء الآخرين مثل اليابان أو كوريا الجنوبية أو دول الخليج نفسها ؟ هذا يظهر القيادة الأمريكية كطرف ضعيف لا يستطيع كبح جماح حلفائه ! و إذا كانت لديها القدرة على المنع ولم تفعل فذلك يشير إلى موافقة ضمنية على الفعل و هذا يضع واشنطن في موقف شريك متواطئ في انتهاك سيادة حليفها مما يفرغ الخطاب الأمريكي حول “قواعد-based international order” النظام الدولي القائم من أي معنى ،، و ربما تتسائل الأن الدول المضيفة للقوات الأمريكية مثل (الكويت، البحرين، الإمارات ) إذا كان بمقدور حليف واشنطن المفضل انتهاك سيادة قطر بهذه السهولة فما الذي يمنع انتهاك سيادتنا نحن في المستقبل؟ و قد يقلق أيضاً الحلفاء خارج المنطقة (في حلف الناتو على سبيل المثال) سيرون في هذا سابقة خطيرة حيث أن المصالح قصيرة المدى لحليف واحد (إسرائيل) تطغى على المبادئ الاستراتيجية طويلة المدى التي يقوم عليها التحالف الغربي برمته مثل سيادة الدول وسيادة القانون!
و لا أخيفكم سرا أن تصريحات الرئيس ترامب عن هذا الهجوم ذكرتني بى تلك الأطراف داخل إسرائيل التى تغيرت مواقفها بعد الإعلان عن فشل المهمة و احتفظت بمسافة تبعد عن نتنياهو ،، فقط تخيلوا معي ماذا لو كانت نجحت إسرائيل فى تصفية الوفد المفاوض من حماس داخل قطر ؟ ربما طلع علينا الرئيس الأمريكي و نسب هذا النجاح لنفسه و احتفل بنجاح المهمة و استعرض قدراته في حل المشاكل بشكل جذري بشكل لم يسبقه فيه أحد ،، و الدليل أنه أكد للقطريين و صرح أن “الهجوم المؤسف على الدوحة يمكن في اعتقادي أن يكون بمثابة فرصة للسلام” و كان يظن وقتها ان الضربة ناجحة جزئيا و لكنه تفاجأ بفشل الضربة ،، فهو من يؤمن بأن السلام لا يمكن تحقيقه إلا بالقوة!
هذه الحادثة هي أكثر من مجرد نزاع دبلوماسي إنها اختبار حاسم لمصداقية الولايات المتحدة كقائدة للتحالفات الدولية و الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية مع هذه الأزمة سواء من خلال إدانة قوية أو فرض عقوبات على القائمين على العملية أو مراجعة عميقة لالتزاماتها تجاه الحلفاء الذين يتصرفون منفردين ستحدد لمدة طويلة قادمة مستوى الثقة التي يمنحها لها حلفاؤها حول العالم ،، الفشل في الرد بقوة لا يعني فقط “إحراج” عابر بل يشير إلى بداية تفكك للثقة الاستراتيجية التي بنيت عليها الهيمنة الأمريكية العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية،،
أنا لا أدافع عن قطر أو عن قيادات حماس بل أقف ضد من يقوض أي فرصة لتحقيق السلام و أري أن الهجوم الإسرائيلي على قطر يمثل نقطة تحول خطيرة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية و مثل هذه الأفعال الأحادية لا تهدد الاستقرار الإقليمي فحسب بل تضعف النظام الدولي القائم على القواعد والقانون مما يستدعي وقفة جادة من المجتمع الدولي للحفاظ على ما تبقى من نظام دولي تحكمه القوانين والأخلاق،،
