
د.علي أحمد جديد
إن تـطـوّر الحيـاة الإنـسانيـة فَـرَض عـلىٰ البـشـرية وَضْـعَ مَنـظـومــاتِ القـوانيـن واللوائـح التي تُسهِّـل إدارة الحيـاة في المجتمعـات البشريـة . وتُصـاغ في هـذه المـنظـومـة كل المبـادئ التنظيمية والاجتماعية بوثيقـة قانونيـة حـاكمـة صارت تعرف باسم (الدستـور) وتمثّل قمة النظام القانوني لأي دولة . وكلمة (الدستور) هي كلمة فارسية في أصلها وتـمَّ تعريبها ، وهي كلمة مُرَكَّبَـة من (دُست) وتعني قاعدة ، ومن (ور) وتعني صاحب ، أما علماء “القانون الدستوري” فيعرِّفون (الدستور) بأنه النظام الأساسي الذي يبيِّن ويحدِّد العلاقات بين الحكام والمحكومين ، ويُبيِّن شكل الدولة ونوع الحكومة التي تدير هذه الدولة . وبتعبير آخر :
“(الدستور) هو مجموعة القوانين التي تحدّد شكل الدولة وتُبيّن السلطات المكوِّنة لها ، وتُبيِّن اختصاصات تلك السلطات وعلاقة بعضها مع بعض والتزاماتها تجاه أفراد المجتمع بكل مكوِّناته العرقية والدينية والمذهبية علىٰ حَدٍّ سواء ، وتكفل حقوقهم في التعبير عن الرأي وفي ممارسة عقائدهم الدينية والفكرية ، وكذلك التزامات وحقوق الأفراد تجاه تلك السلطات وضمان هذه الحقوق” .
لكن وجود (الدستور) لايعني ـ كوثيقة مكتوبة ـ بالضرورة أن نظام الحكم في الدولة التي تمتلك نسخة (الدستور) هو “نظام دستورى” ، لأن كل الأنظمة القمعية تحرص علىٰ وجود (دستور) مكتوب فيه أعظم الحقوق وبأبلغ الديباجات ، بينما يكون الواقع غير ذلك تماماً ويكون فيه هذا (الدستور) مَداساً لأقدام السلطة القائمة على حكم المجتمع والتي تزدري كل القوانين بممارساتها وانتهاكاتها . ولذلك تؤكد أدبيات “القانون الدستوري” علىٰ عدة شروط يجب توافرها كي يمكن القول من خلالها بأن نظام الحكم هو نظام دستوري أو غير دستوري .
ومن هذه الشروط :
* أولاً : التزام السلطات الحاكمة التشريعية منها والقضائية والتنفيذية بأحكام (الدستور) في كل أفعالها وإلا فإنها تُعتبَر فاقدة للشرعية .
* ثانياً : عدم تركيز السلطة في يد رأس السلطة الحاكمة وحده أو في أيدي مجموعته الضيقة ، وإنما تحرص بنود الدستور علىٰ توزيع السلطات العامة في الدولة بين السلطات الثلاث مع التأكيد علىٰ مبدأ الفصل بينها ، وضمان الاستقلالية التي تخضع للرقابة ولا تعفىٰ من المساءلة .
* ثالثاً : أن يكون تطبيق (الدستور) تطبيقاً حرفياً وفعلياً وتكون السلطة بأشكالها ودرجاتها المختلفة من الأجهزة والحكومة وفقاً لأحكام (الدستور) ومبادئه لتكون الصلاحيات مكفولة بـ(الدستور) دون زيادة أو نقصان ، حتىٰ إذا خالفت ذلك أيٌّ من السلطات صارت خارجةً عن نطاق (الدستور) ومُنافيةً لقواعده التي اختارها الشعب في تنظيم حياته وضبط علاقاته مع حكامه .
ويشير فقهاء “القانون الدستوري” إلىٰ (الدستور) الذي يمهد لتحقيق العدالةالاجتماعية وتوفير الخصائص التي تضمن تحقيق مايلي :
* أ – لاسيادة لفَردٍ ولا لفِئةٍ تتميز عن باقي مكونات الشعب .
لأن الممارسات الدستورية التي هي تحت مظلة القانون تؤكد علىٰ عدم وجود حَقٍّ مُطلَق لفَردٍ أو لجماعة في التحكُّم غير القانوني بالممتلكات العامة أو الخاصة علىٰ حَدٍّ سواء ، حتىٰ أن الشعب نفسه لا يملك الحقَّ المُطلَق وغير المقيد ، وإنما يمارس الشعب سلطاته الرقابية بموجب أحكام (الدستور) وكل (دستور) يُقيِّد السلطات بقوانين تحفظ الحقوق العامة التي لا يجوز المساس بها ، وبشرائع وعقائد يجب مراعاتها .
* ب – سيادة القانون :
يعني أن يكون القانون أعلىٰ سلطة في الدولة و لا يعلو عليه شيء أو أحد ، لأن تطبيق هذا المبدأ علىٰ أرض الواقع هو ما تتميز به “الحكومة الدستورية” ، و من أجل تطبيق هذا المبدأ لابد من ضمانات لوجود المساءلة والحساب علىٰ مخالفة أحكام هذا المبدأ بوجود هيئة قضائية تتوافر فيها ضمانات الاستقلالية والنزاهة والكفاية تكون مهمتها إلغاء أي قرارات للسلطة تخالف القانون .
* جـ – الفصل بين السلطات الثلاث وتحقيق التوازن فيما بينها ، لأن (الدستور) الحقيقي هو الضمان لعدم تركيز السلطة في شخصٍ واحدٍ أو هيئة واحدة ، ولأن توزيع السلطات يحقق التوازن بين السلطات الثلاث( التشريعية والقضائية والتنفيذية) بما يؤدي إلىٰ عدم انفراد أي مؤسسة من مؤسسات النظام السياسي بالسلطة ، و في نفس الوقت يحقق التعاون المطلوب بين السلطات لتطبيق العدالة في العمل السياسي والاجتماعي التنموي .
* د – ضمان الحقوق والحريات العامة :
يوفر (الدستور) الضمانات اللازمة لممارسة الحقوق والحريات العامة لكافة فئات الشعب ومكوناته دون أي استثناء .
* هـ – تداول السلطة سلمياً :
يضمن (الدستور) تداول السلطة بين القوىٰ السياسية الشرعية والقانونية وفقاً لنتائج اقتراع عام ، وانتخابات نزيهة ، وبحسب أحكام (الدستور) يجب أن يكون بوجود المؤسسات وبخلق الآليات اللازمة لذلك .
الخلاصة :
=======
إن الدساتير لا تُكتب ولا تُصوِّتُ عليها الشعوب ليلهو بها الحاكم ، لأن العبث بالدستور هو استخفاف بالشعب وازدراء له ، وكل من يصل للسلطة عبر آليات دستورية ، لا يرتضي بعد الوصول للسلطة أن تسوِّل له نفسه الاجتراء عليه وتحريفه بما يوافق أهواءه وأهواء جماعته ورغباته ، لأنه سيكون خارِجاً علىٰ إرادة الشعب ومُعادٍ لها ، ولأن العبث بالدساتير يختلف عن العبث بالقوانين ، لأن العبث بـ(الدستور) يعني انفراط العقد بين الحاكم والمحكوم وتَفسُّخ الرابط الأخلاقي والمعنوي .. والتنظيمي بين السلطة وبين مواطنيها ، كما يعني أن أي محاولة لإسقاط الدستور ـ عملياً ـ بتجاوزه وانتهاكه هو إسقاط مباشر للدولة وهيبتها . ولأن خطوات الوصول إلىٰ الهاوية تبدأ بإدِّعاء احتكار الفهم وفرض الوصاية علىٰ الشعوب التي توصِلُ إلىٰ إهدار حقوقها واضطهادها .
