
إدوارد فيلبس جرجس
edwardgirges@ yahoo.com
العاطفة الدينية ساقية تدور فتصيب العقل بالدوار
*************************************
كلمات من أجل الوطن:
===============
هذه الكلمات نحتاجها ويحتاجها الوطن في كل وقت وفي أي ظروف لنحافظ على وطننا الحبيب من كل من يحاول أن ينال منه لأن اللعب من الخبثاء دائما يكون على وتر العاطفة الدينية.
*******
الخصم في هذا المقال ثنائي تحاصره الشك؟،من جهتين ، العاطفة الدينية من جهة والجهل وعدم الإدراك الصحيح للأمور من جهة أخرى ، وإذا وضعناهما داخل قفص الاتهام ، وفوق المنصة قاض عادل ، وممثل للنيابة يملك في يده الدلائل والبراهين على توافر أركان الجريمة ، سيعجز الدفاع تماماً حتى عن التماس الأعذار لمجرد تخفيف الحكم الذي يجب ألا يقل عن الحبس وعدم الإفراج حتى ترتقي العقول. قال أحد السياسيين أن الدين آفة الشعوب ، وقال كارل ماركس أن الدين أفيون الشعوب ، وأنا لن أذهب إلى قولهما ، أو أقول أنني أتوافق معهما في الرأي ، حتى لا أزج بنفسي في دائرة الكفر والإلحاد وأجد نفسي معلقاً بين أجراس الكنائس ومآذن المساجد وما سأُقذف به من هذا أو ذاك الله أعلم؟ ، أنا أبحث فقط في العاطفة الدينية وهي من وجهة نظري مجرد تماحيك في الدين وليس الدين نفسه ، بدليل أن هذه العاطفة الدينية لا نجدها بين الشعوب المتقدمة والتي تؤمن أيضاً بالعقائد السماوية . الكارثة من وجهة نظري محصورة بين طرفين، العاطفة الدينية بدون فهم حقيقي للعقيدة والأمية وركيزتها من الجهل من جهة وما يتشعب منهما من طرق تؤدي إلى اختلال المجتمع من جهة أخرى. يقولون إذا عُرف السبب بطل العجب، وإذا عُرف المرض قد يكون من السهل أن نجد له الدواء. إذا بدأنا بالعاطفة الدينية التي قلت بأنها تماحيك دينية وليست الدين ، سنجد أننا كشعب مصري اعتنقناها دون محاولة لدمجها مع المفهوم الواعي للأديان ، وسرنا خلفها بالأحاسيس والمشاعر الفجة دون محاولة ربطها بالتفكير العقلي الذي هو أصل كل الأديان ، لأن الله وهو العقل الغير محدود وضع أسسها بطريقة يمكن للعقل البشري المحدود استيعابها وإدراك ما تحمله من معان ، ونحن تركنا العقل وحَمَلنا الموضوع كله أو معظمه على العاطفة الدينية ، مما نتج عنه قصور في كيفية التعامل مع الدين والدنيا ، وأصبح وضع كل طرف في خانة التعامل المضبوط من الأمور الصعبة ، وبالتالي دخل المجتمع في متاهة الخلط وأورث البعض سلبيات التعامل والتفاعل مع المجتمع والدولة ، والبعض الآخر إلى الانقياد إلى الفكر الديني الذي يبثونه في صورة عاطفة دينية ليس بغرض الإيمان لكن للوصول إلى جذب لهذه الفئة كتابعين لأفكارهم تشجعهم أمية شريحة كبيرة من المجتمع ، مما أدى في النهاية إلى تراكمات وموروثات جعلت من المجتمع رهينة للعاطفة الدينية وليس الإيمان المضبوط ، التي يمكن أن تهدر كل الطاقات السليمة للنهوض به وبأسس بنيانه ، ويمكن أن تشعل الفتنة الغير عقلية حتى بين أصحاب العقيدة الواحدة باختلاف مذاهبها . بالتأكيد الدخول في هذا الموضوع يجرنا للدخول في التركيبة الاجتماعية للمجتمع المصري أو الشعب المصري ، الذي يتكون من حيث العقيدة من فئتين ، مسلمون ومسيحيون، وتحت كل عقيدة مجموعة من المذاهب أو الطرق ، في الحقيقة لعبت العاطفة الدينية وأُمية شريحة كبيرة من المجتمع دورها مع اتباع كل عقيدة بطريقة تختلف عن الأخر ، وإذا بدأنا بالمسيحيين ، سنجد أن العاطفة الدينية التي غرقوا فيها أثرت سلباً على الفرد نفسه بصفة خاصة وعلى المجتمع بصفة عامة، طوال الفترات السابقة سار المسيحيون خلف العاطفة الدينية بأسلوب يمكن تعميمه ، ورأوا أن التشبث بالكنيسة كناحية روحية هو الأفضل وأن الصلاة هي الأوقع ، ومع احترامي لكل هذا ، إلا أنني أسأل أين الدور بالنسبة للمجتمع الذي يتعايش فيه وبه الجميع ، وأين الدور بالنسبة للدولة أو الوطن الذي هو ملك لكل فرد ولد على أرضه وينتمي إليه وليس مقصوراً على ديانة أو عقيدة أو حزب أو جماعة أو فصيل ، أعتقد واعتقادي لا يشوبه الشك أن المسيحيين وحتى ثورة 25 يناير ، لم يخرجوا عن دائرة السلبية البحتة في المشاركة مع الاعتبار أن لكل قاعدة شواذ ، ولم تظهر لهم نفحة إلا بعد 25 يناير ، بدأت على حياء ، ثم تدريجياً بدأت تتكشف بجرأة فرضها الواقع الجديد بعد الثورة ، ويفرضها الواجب على كل مواطن يعيش في هذا الوطن باختلاف اتجاهه العقائدي أو السياسي أو وضعه الاجتماعي ، فكلمة المواطنة ليست حكراً على أحد ويجب أن تضخ فيها الدماء الحقيقية لتصبح في عالم الأحياء وتترك موات الفترة السابقة ، وأعتقد أن معظم مشاكل الأقباط إن لم يكن كلها التي تختلف وتيرتها حسب النظام الحاكم كان يمكن أن لا تكون ، لو أنه من البداية ظهرت قوتهم في الإصرار على أخذ دورهم في المجتمع كاملاً ودون نقصان ، ولم تستبدل هذه القوة بالتلفع بعاطفة دينية أوهمتهم أن البحث عن الآخرة أفضل من الدخول في معترك من أجل الإثبات الوجودي لهم كقوة في هذا المجتمع وكونهم أبناء لهذا الوطن ، لقد خلط الأقباط بين ما يمكن أن يكون في الكنيسة وما يدور في المجتمع ، واعتبروا أن الصلاة هي التي يمكن أن تلبي جميع احتياجاتهم ، وهذا يناقض العقيدة تماماً ، لأن الله لم يعط الإنسان عقلاً لمجرد أن يصلي به ، فالصلاة لها دورها كناحية عقائدية ، والعقل له دوره كتسيير للحياة في الدنيا التي أُعطيت لنا حسب ما جاء في بدء الخليقة لنزرع ونحصد ونتناسل ونعيش ، وبالطبع لكل زمن مقتضياته وظروفه ، وقد يكون في قول السيد المسيح ” أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” العقل والمنطق السليم والتفسير الواضح لهذا القول ، أن الله له معطياته والمجتمع الذي نعيش فيه ونتعامل معه له معطيات أخرى ، ولا داعي للخلط بين الإثنين ، وهذا ما يفرق بين الغرب الذي يعيش العقيدة كعقيدة ، والحياة الاجتماعية والسياسية بما يحق لهما ، وبين الشرق الذي يعيش العقائد كعاطفة دينية ، ويحاول أن يُلفع بها كل ما يقابله من أمور دنيوية ، وهذا ما أُسميه شخصياً ب ” الإفراط أو المغالاة الدينية ” ، حقيقة واقعة وآسفة بالنسبة للأقباط كشعب مصري ، يجب الخروج عليها ، وأن يثبتوا وجودهم خارج عباءة العاطفة الدينية ، مهما حاول البعض الآن أن يعيدهم إلى وضع أكثر تجاهلاً مما كان في الأنظمة السابقة ، وهذا لن يتأتى إلا ب ” أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله ” ، لأن الله نفسه لا يحب أن يعيش أحد عالة على عقيدته التي أعطاها له ليعبده ويركن عليها ويلومها إذا أجحفه الواقع وهو للأسف المتسبب فيه. وإذا انتقلنا إلى الشريك الآخر في الوطن والذي يمثل النسبة الأكبر من الشعب وهم المسلمون ، سنجد أن العاطفة الدينية تتراوح بين مجرد التلامس إلى السيطرة التامة ، فالطبقات المتعلمة والمثقفة تؤمن إيماناً عميقاً بالعقيدة وهو الإيمان العقلي المتفهم لكل أركان الدين دون تعدي العاطفة الدينية على هذا التفهم ، ونستثني بالطبع فصيل من الطبقة المتعلمة والمثقفة يُسخرَ العاطفة الدينية كوسيلة ليس إلا للوصول إلى أغراض خاصة ، أما معظم الذين تغلبت عليهم العاطفة الدينية هم من الطبقة الكثيفة التي ترزح تحت الأمية ، أقول وبمنتهى الأريحية الجانب العقلي في الفهم الديني شبه غائب ، الغالب هو العاطفة الدينية المتشددة كتعويض للنقص في الجانب العقلي للفهم المضبوط ، وقد نلتمس لهم العذر لأن كل حصيلتهم من الفهم الديني مقتصرة على ما يتلقوه من إمام المسجد أو الزاوية التي يذهبون للصلاة بها ، أي ما ينتقل إليهم هو مدى فهم ” الإمام أو الشيخ ” حسب درجة تعليمه وثقافته الدينية ودعاة ظهروا بطريقة غريبة وعجيبة ، وبالتأكيد ومن باب الواقع الذي نراه ونلمسه وليس من باب الهجوم أو تنزيل القدر فأن الكثير من هؤلاء الأئمة أو الدعاة لهم أفكارهم الخاصة التي يكيفون بها ما يلقونه على مسامع هذه الطبقة التي ترى في أحاديثهم صحيح الدين الذي لا يجب أن يخالف بأي حال من الأحوال وتتحول الكلمات في داخلهم إلى عاطفة دينية تقتضي الزود عنها عند أي بادرة لخدشها . هذه الطبقة هي الأخطر اجتماعياً لأنها من الممكن أن تساق تحت تأثير العاطفة الدينية فتكون أداة في يد نظام أو فصيل يسعى لتخريب المجتمع والدولة معا. هذه هي المشكلة الحقيقية ، مشكلة العاطفة الدينية المتحدة بقوة مع الأمية ، واعتقد أن هذه المشكلة لن تحل بسهولة وسيبقى تأثيرها السلبي كشوكة في ظهر التقدم والدولة المدنية والحرية والديمقراطية ، لن تكون هناك ديمقراطية حقيقية أو حرية حقيقية أو دولة مدنية ، إلا إذا خرج الجميع من عباءة العاطفة الدينية ، وعولجت الأُمية التي تُلغي مجرد التفكير العقلي المضبوط لنسبة قد تزيد عن 80%، إذاً لا عيب في عنوان المقال بمعناه أن العاطفة الدينية ما هي إلا الساقية التي تدور وتدور فتصيب العقول بالدوار ، والأمية التي لا تخرج عن طاحونة تُكسر وتطحن كل محاولة للتقدم والوصول إلى الدولة الديمقراطية الحقيقية ، وهذا العنوان مأخوذ من المثل العامي الذي يقول ” طلع من ساقيه وقع في طاحون ” . هذه هي المشكلة الفعلية لكل ما دار وما يدور الآن وما سيدور مستقبلاً أن لم توجد الحلول العملية وليست الشفاهية، وقد يدهش البعض هذا القول، لكن لو نظرنا إلى الواقع سنلمس الحقيقة دون مجهود للفكر. السؤال هل تعلم الأقباط الدرس ويطرحوا عنهم عباءة العاطفة الدينية ويكونوا قوة فعالة على ساحة المجتمع والسياسة، وهل ستنجح الدولة في القضاء على آفة الأمية وتتحول هذه الطبقة المؤثرة إلى الفهم الصحيح للدين وتترك قشوره المتمركزة في العاطفة الدينية؟
حياتنا المعقدة:
**********
لماذا أصبحت أو تحولت حياتنا إلى شيء معقد، أو مجموعة من التعقيدات، أو كتلة من الكلكعة، بالرغم من أنه المفروض العكس لأن الاختراعات الحديثة حولت المعيشة للأسهل، وفتحت أفاقا جديدة في الحياة وأبواب أوسع للمعرفة وقد أكون مخطئاً وتكون هي السبب أو ضمن الأسباب التي أدت للعكس، الاتهام في هذا الاتجاه غير واضح في ذهني، ويقولون المتهم برئ حتى تثبت إدانته. لكن من الواضح والملموس أن هذه التعقيدات أصبحت تشكل حواجز كثيرة في التعاملات على كل المستويات الاجتماعية، وحتى على مستوى أفراد الأسرة الواحدة أو العائلة الواحدة، مروراً بالصداقات الاجتماعية، أي باختصار الحياة الآدمية بشكل عام. تحضرني كلمات جميلة غنتها المطربة صباح في السبعينات تقريباً في زمن الفن الجميل تقول كلماتها: (ع البساطه البساطه، يا عيني ع البساطه، غديني جبنة وزيتون وعشيني بطاطا). نعم كان زمنا جميلا وكان جماله في بساطته؛ السؤال المحير والذي يراودني كثيرا؛ لماذا فقدنا بساطة الحياة في كل المجالات ؟!، هذا هو السؤال الذي لو استطعنا الإجابة عنه يمكن أن يعيد لنا الأمل في أن تعود الضحكة الجميلة والبسمة الصافية والسعادة التي تضاءلت وتتضاءل أكثر وأكثر كلما تقدمت الأيام، لقد فقدنا الحب بمعناه القديم الذي أصبحنا نتحدث عنه الآن ليس كعملة نادرة، بل عملة ورقية من السهل أن تتلف معالمها وتتحول إلى مجرد ورقة لا قيمة لها. قد يكون الحديث عن العملة دفع أمامي كل الماديات بصورة عامة كسبب رئيسي لافتقادنا للبساطة في حياتنا، بعد أن تحول حب المادة إلى عشق عند الأغلبية في عالم اتجه نحو الماديات البحتة وقطع فيها شوطاً كبيراً ؛ وكما يقولون الشيء بالشيء يذكر ، تعالوا نفكر معاً في هذه الثورات التي حدثت وتحدث وستحدث في معظم أنحاء العالم الآن، أليس سببها الفساد ، الفساد المادي على وجه الخصوص ، الرؤساء ومن حولهم ، والتدرج إلى المستويات الأصغر تحت مظلة أنظمة متنوعة من الحكم الفاسد ، من أجل تحقيق السيطرة على الشعوب ، بهدف تكوين ثروات لا تقاس لا بالطول ولا بالعرض ، شيء ليس له مقياس أو حدود أساسه الطمع والجشع المادي ، يتبعهم نوعية من رجال الأعمال تتعلق بأهدابهم للوصول إلى نفس الهدف ، فتضافرت أسباب الفساد مع بعضها لتخرج في النهاية في صورة بشعة لسيطرة المادة على عقول وتفكير الجميع كهرم يبدأ من القمة إلى القاعدة . الجميع وصلوا إلى مرحلة عدم الاقتناع بالوقوف عند نقطة القناعة، كلما خطت قدمهم خطوة نحو سيطرة المادة على العقول، تولدت الرغبة في القدم الأخرى لخطوة أبعد وأبعد، خطوات لا حدود لها سوى الموت. هذه النوعيات هي السمة الغالبة لعالم اليوم ، بشر لم تعد تستهويهم الحياة العادية ، يبحثون عن أي شيء يميزهم عن باقي البشر ، سواء في المأكل ، أو المشرب ، أو الملبس ، أو أسلوب المعيشة ، يبحثون عن أي شيء يشعرهم بأنهم من ذوي المستوى الغير عادي ، نعم الآن تتلاحق السلوكيات الغير طبيعية والمعقدة للوصول إلى مستويات أعلى لا حدود لها ، أما المستويات الأدنى فهي تحاول القفز بخطوات عشوائية للوصول أو اللحاق بهم متوهمة أن هذه هي الحياة السعيدة وكنتيجة متوقعة لأطماع البشر لاحقت الجميع تعقيدات وكلكعة تتراكم وتتزايد كل يوم بل كل ساعة فحولت الحياة إلى شيء غير مستساغ ليس له طعم له ولا لون ولا رائحة ولا تدنو حتى من المذاق الجميل للجبن والزيتون ، ولا الطعم الحلو للبطاطا ، لماذا ؟ لأن هناك فرق كبير بين البساطة التي خلق الله عليها البشر والتعقيدات والكلكعة التي يغري بها الشيطان النفوس الطامعة في المزيد دائما كعنوان لحياة أفضل وهي بالعكس تجر لحياة أسوأ وأسوأ، وياعيني ع البساطة ويا عيني عليكِ يا شحرورة، والشحرورة كان لقب المطربة صباح رحمها الله، أقول المطربة صباح وليس حمو بيكا وأمثاله للأسف.








