
بقلم دكتورة / مريم المهدي
فيما يحذر الجميع من احتمال أن يتسبب “الذكاء الاصطناعي” في انقراض البشر خلال عقد، يبدو أننا نسينا ( أزمة المناخ القائمة بالفعل ) ، وما تجره من تداعيات، من الأزمات المالية والصراعات إلى تفشي أمراض جديدة وكوارث أخرى. يستحوذ الخوف من أخطار الذكاء الاصطناعي على النقاش العام، بينما تتجسد آثار تغير المناخ بالفعل في موجات الحر والحرائق والفيضانات والجفاف، مهددة حياة البشر والاقتصاد والأمن والاستقرار العالمي. وتحذر أبحاث وتقارير من أن تداعيات الأزمة المناخية قد تتجاوز ارتفاع الحرارة إلى أزمات غذاء ومياه وهجرة وصراعات وأمراض جديدة، وسط مطالب بالتعامل معها كحالة طوارئ لا تحتمل مزيداً من التأخير. إن تهديداً وجودياً هائلاً للأمن القومي والازدهار الاقتصادي وللبشرية جمعاء يلوح فوق رؤوسنا الآن، فقد يتجه ذهنكم، في ظل هذا الوصف المخيف، مباشرة إلى “الذكاء الاصطناعي”.
* الانهيار المناخي كيف يشكل ايضا تهديدا اكبر من الذكاء الاصطناعي لفناء البشرية ؟ :
لكن ثمة مشكلة كبيرة في أن يستحوذ خطر الانقراض المحتمل الذي تمثله أدوات مثل “تشات جي بي تي” و”كلود” و”جيميناي” وغيرها على كل اهتمامنا. فنحن معرضون فعلاً لخطر أن ننسى تهديداً أكبر بكثير يواجه مختلف أشكال الحياة على الأرض، نعرفه منذ أكثر من قرن، ونشهد آثاره اليوم في أنحاء العالم كافة، وهو ( الانهيار المناخي ). كان يفترض أن يكون هذا الصيف كفيلاً بتبديد أي شكوك سابقة في أن ( الاحترار العالمي ) يغير كوكبنا وطريقة عيشنا بصورة جذرية. فقد شهدت دول عدة درجات حرارة شديدة وظواهر جوية متطرفة، تسببت في الجفاف والمجاعة والفيضانات المميتة والانهيارات الأرضية و (حرائق الغابات.) وكلها تهديدات ملموسة وقابلة للقياس وحقيقية لحياة البشر، بخلاف الأخطار غير الواضحة المرتبطة بنماذج اللغة الكبيرة. وليس من قبيل المصادفة أن منكري تغير المناخ لزموا الصمت إلى حد كبير في الآونة الأخيرة. فحتى نحن الذين نعيش في شمال أوروبا وغربها، ونحظى بحماية نسبية من أشد العواقب بفضل المناخ المعتدل بطبيعته، لم نسلم تماماً هذا العام. ففي وقت كانت فيه مساحات واسعة من أوروبا تشتعل بحرائق الغابات، قدر عدد الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة في إنجلترا خلال موجتي الحر في مايو ويونيو 2026 بنحو 2877 حالة، أي ما يقارب ضعف العدد المسجل خلال صيف العام السابق بأكمله.
ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءاً قبل أن يتحسن، نتيجة اجتماع أثر الاحترار الناجم عن الأنشطة البشرية مع ظاهرة “إل نينيو فائقة” يرجح أن تكون من أشد الظواهر المسجلة. وينتظر أن يؤدي الارتفاع الاستثنائي في درجات حرارة سطح البحر بالمناطق الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي إلى اضطرابات مناخية واسعة، واختلال أنظمة بيئية في أنحاء العالم.
وهذا ما يدفع عدداً متزايداً من الشخصيات البارزة إلى المطالبة بأن نسمي هذا التزايد في الكوارث الناجمة عن تغير المناخ باسمه الحقيقي: تهديداً هائلاً ومتنامياً لبقائنا وبقاء سائر الكائنات الحية على الأرض.
كان لتغير المناخ دور في كل حدث من أحداث الانقراض الجماعي، وأسهم في سقوط إمبراطوريات وفي تشكيل التاريخ علي كوكب الارض :. وفي عام 2022، دعا فريق دولي من الباحثين بقيادة “جامعة كامبريدج” إلى أن يبدأ العالم الاستعداد لاحتمال بلوغ “النهاية المناخية”، أي أسوأ السيناريوهات المحتملة لتغير المناخ. ونشر الفريق ورقة بحثية تقترح برنامجاً لدراسة سيناريوهات تتدرج من السيئ إلى الأسوأ، بدءاً من فقدان 10 في المئة من سكان العالم وصولاً إلى انقراض البشرية.
* الفرسان الاربعة انهاية العالم :
وسلط الفريق الضوء على الخطر الحقيقي لما سمي “الفرسان الأربعة” لنهاية العالم المناخية: المجاعة وسوء التغذية، والظواهر الجوية المتطرفة، والصراعات، والأمراض المنقولة. وهذه ليست مخاوف وهمية مأخوذة من رواية ديستوبية عن المستقبل، بل أخطار حقيقية تنطوي عليها درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع، وقد بدأنا بالفعل نرى آثارها. وسلط الفريق الضوء على الخطر الحقيقي لما سمي “الفرسان الأربعة” لنهاية العالم المناخية: المجاعة وسوء التغذية، والظواهر الجوية المتطرفة، والصراعات، والأمراض المنقولة. وهذه ليست مخاوف وهمية مأخوذة من رواية ديستوبية عن المستقبل، بل أخطار حقيقية تنطوي عليها درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع، وقد بدأنا بالفعل نرى آثارها.
وقال الدكتور لوك كيمب، الباحث الرئيس في الفريق من “مركز دراسة الأخطار الوجودية” التابع لـ”جامعة كامبريدج”، في ذلك الوقت: “هناك أسباب كثيرة تدعو إلى الاعتقاد أن تغير المناخ قد يصبح كارثياً، حتى عند مستويات معتدلة من الاحترار. فقد كان له دور في كل حدث من أحداث الانقراض الجماعي، وأسهم في سقوط إمبراطوريات وفي تشكيل التاريخ”.
وأضاف كيمب أنه على رغم أن الظواهر الجوية المتطرفة، التي باتت تحدث بوتيرة متزايدة، تشكل مصدر قلق كبير، فإن “مسارات الكارثة” لا تقتصر على الآثار المباشرة لارتفاع درجات الحرارة. وقال: “يمكن للتداعيات غير المباشرة، مثل الأزمات المالية والصراعات وتفشي امراض جديده ، أن تطلق شرارة كوارث أخرى، وأن تعرقل التعافي من كوارث محتملة مثل ” الحرب النووية “.
وفي الآونة الأخيرة، تزايدت الضغوط للتعامل مع الانهيار المناخي باعتباره حالة طوارئ وطنية ودولية. وتطالب حملة “الإحاطة الوطنية للطوارئ” في المملكة المتحدة باستجابة لأزمة المناخ والطبيعة بحجم الاستجابة في زمن الحرب، على أن تبدأ بتنظيم الحكومة إحاطة طارئة مباشرة على شاشات التلفزيون، باعتبارها “خطوة أساس تمهد لاستجابة بالحجم الهائل المطلوب الآن”.
ووقع أكثر من 100 ألف شخص عريضة تطالب بذلك، مما أدى تلقائياً إلى إجراء نقاش في البرلمان البريطاني. وأطلقت الحملة فيلم “الإحاطة الطارئة للشعب” The People’s Emergency Briefing، وهو فيلم وثائقي طويل يقدمه كريس باكام ويعرض في أنحاء البلاد لحشد الدعم وزيادة الوعي بمدى إلحاح القضية.
وفي غضون ذلك، دعا زاك بولانسكي، زعيم “حزب الخضر” البريطاني، إلى نشر تقرير خطر أعده قادة أجهزة الاستخبارات البريطانية كاملاً، حتى يتمكن الرأي العام من معرفة الحجم الكامل للتهديد الذي يشكله تغير المناخ على الأمن القومي للمملكة المتحدة.
* وجود الانسان علي كوكب الارض يعتمد علي نظام مناخي بيئي مستقر :
وكانت نسخة مختصرة من التقرير، لا تتجاوز 14 صفحة، قد نُشرت في يناير (كانون الثاني) الماضي، بعد حجب أجزاء كبيرة من محتواه بطلب من رئاسة الحكومة في “داونينغ ستريت”. ويحذر التقرير من عواقب قد تكون مدمرة، تشمل فشل المحاصيل ونقصاً حاداً في الغذاء خلال خمسة أعوام، وشح المياه ، وظهور أمراض جديدة، والتضخم وارتفاع الأسعار، والنزوح والهجرة على نطاق واسع، واضطراب ( سلاسل الامداد ) ، وفقدان سبل العيش، وزعزعة الاستقرار السياسي، وصولاً إلى احتمال اندلاع صراعات مسلحة وحرب نووية، وكل ذلك نتيجة انهيار الأنظمة البيئية في أنحاء العالم.
وقال النائب عن “حزب الخضر” أدريان رامسي، خلال نقاش برلماني حديث دعا فيه إلى تحرك عاجل وإنشاء وحدة مخصصة لحماية المناخ: “يمثل الانهيار المناخي وأمن النظم الطبيعية أشد تهديدات الأمن القومي إلحاحاً وخطورة في عصرنا. فالمقومات الأساس لوجود الإنسان، من غذاء وماء وصحة، تعتمد جميعها على أنظمة بيئية سليمة.
* الذكاء الاصطناعي قد يقضي علي البشرية خلال هذا العقد . ( العقد اي عشر سنوات ) !!
ففي نهاية المطاف، لم تمنح البشرية سوى 10 أعوام، وفق أحدث ما يدور في أوساط العاملين في قطاع التكنولوجيا، قبل أن تواجه احتمال الفناء. وقد دفع إيفان هوبينغر، أحد أبرز الباحثين في سلامة “الذكاء الاصطناعي” لدى شركة “أنثروبيك”، بهذا الرقم إلى النقاش العام كأنه قنبلة، بعدما حذر في سلسلة منشورات على “تويتر” (إكس) من وجود احتمال يتجاوز 10 في المئة لأن يتمكن “الذكاء الاصطناعي” من “القضاء على جميع البشر” خلال العقد المقبل.
بينما وجهت هيئة الأمم المتحدة جرس إنذار إلى البشرية في سباقها الصعب مع تطور استخدامات الذكاء الصناعي معتبرة الذكاء الاصطناعي “مارداً خرج من القمقم”، محذرة من الأخطار الكبيرة التي يحملها. كما ان موظفو شركات برمجيات الذكاء الاصطناعي يطالبون بالسماح لهم بتوعية الناس حيال أخطار التكنولوجيات المتقدمة جداً. كما استقال موظفون في شركة التكنولوجيا “أنثروبيك” بسبب مخاوف من أن الذكاء الاصطناعي “قد يقضي علينا جميعاً بحلول نهاية العقد”. إذاً، لم يعد هناك وقت للتسويف في الأشياء التي لطالما أردنا فعلها.
ومن الطبيعي أن يثير تصريح بهذه الخطورة قدراً كبيراً من الهلع، إذ يبدو كأن كل التحذيرات التي أطلقتها أعمال الخيال العلمي خلال القرن الماضي أخذت تتحقق أمامنا، من “هال 9000” في فيلم “2001: ملحمة الفضاء” 2001: A Space Odyssey، إلى “أنا، روبوت” I, Robot و”ماتريكس” The Matrix. وانتشرت موجة واضحة من الذعر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع دعوات صاخبة إلى إنشاء “زر إيقاف طارئ”، وإلى اتفاق الشركات على إبطاء السباق الجماعي في مجال “الذكاء الاصطناعي” إلى حين تقييم جوانب السلامة على النحو المطلوب.

مخاطر الذكاء الاصطناعي التي تهدد البشريه ورسالة تحذيريه جريئه صادقة من الموظفين العاملين بكبري شركات تطوير الذكاء الاصطناعي :
وفي رسالة مفتوحة، حذرت مجموعة من الموظفين الحاليين والسابقين في كبرى شركات ” وادي السيليكون ” المشغولة في تطوير الذكاء الاصطناعي من أنه في حال عدم وضع إجراءات حماية إضافية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يهدد “بانقراض البشرية”. الرسالة المذيلة بتوقيع 13 موظفاً سابقاً معظمهم من شركات مثل “أوبن أي آي” OpenAI (مبتكرة روبوت الدردشة الشهير ” تشات جي بي بي “) وأنتروبيك” Anthropic و”ديب مايند” DeepMind التابعة لشركة “جوجل”، تقول إنه لا بد من توفير ضمانات إضافية لكبار الباحثين في هذا المجال، تسمح لهم بإبداء أية انتقادات تجاه التطورات الجديدة، إضافة إلى ضرورة الأخذ برأي الناس وصانعي السياسات في شأن المسار الذي تتخذه ابتكارات الذكاء الاصطناعي.وجاء في الرسالة التي نشرها الموظفون “إننا نؤمن بقدرة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على تقديم فوائد غير مسبوقة للبشرية. ولكننا نعرف أيضاً الأخطار الجسيمة التي تطرحها هذه التكنولوجيات. وتراوح هذه الأخطار من تعزيز أوجه عدم المساواة المترسخة أصلاً، مروراً بالتلاعب والتضليل، وصولاً إلى فقدان السيطرة على أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقلة، ما من شأنه أن يفضي ربما إلى انقراض الإنسان”. وتشير الرسالة إلى أن الشركات التي تعكف على تطوير تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي ذات القدرات القوية والمؤثرة، من بينها الذكاء الاصطناعي العام” كما يسمى (اختصاراً AGI)، علماً أنه نظام ذكاء اصطناعي نظري يحاكي الذكاء البشري في قدراته أو يفوقه مقدرة (في أداء المهام ويسعه بصورة متكررة تحسين نفسه استناداً إلى المعلومات التي يجمعها)، و”تمتلك حوافز مالية متينة تسمح لها بتجنب الرقابة الفاعلة” من موظفيها أنفسهم، والجمهور عموماً.
وتطالب الرسالة الشركات بالكف عن معاقبة أو إسكات الموظفين الحاليين أو السابقين الذين يتحدثون علانية عن أخطار الذكاء الاصطناعي، في إشارة محتملة إلى فضيحة تفجرت هذا الشهر في “أوبن أي آي”، عندما طلب إلى موظفين مغادرين أن يختاروا بين خسارة الأسهم المكتسبة أو التوقيع على اتفاق قانوني دائم الصلاحية يقضي بمنعهم من الإدلاء بتصريحات تشهيرية أو ضارة في شأنها (حتى لو كانت صحيحة)، (ألغت “أوبن أي آي” هذا الشرط لاحقاً قائلة “إنه لا يعكس قيمنا أو الشركة التي نطمح في أن نكونها). وتأتي هذه الرسالة المفتوحة بعد موسم من الجدل أحاط بشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، لا سيما “أوبن أي آي”، وفي وقت تقدم هذه الجهات المطورة أنظمة وأدوات مساعدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي ذات قدرات جديدة قوية من بينها القدرة على الانخراط في محادثات صوتية مباشرة مع البشر، والتفاعل مع المعلومات المرئية مثل بث حي أو مسألة حسابية مكتوبة.
واحيرا فلنحاول إنقاذ العالم من سيطرة “الذكاء الاصطناعي” وتجنب الدمار الكامل للبشرية خلال الأعوام الـ10 المقبلة، إن استطعنا. والأهم من ذلك، فلنضع حداً لشبكة مراكز البيانات المتسعة باستمرار، والتي تستنزف الطاقة والمياه والموارد التي نحن في أمس الحاجة إليها. لكن علينا ألا نسمح لتهديدات غامضة مستمدة من الخيال العلمي بأن تصرف انتباهنا عن مشكلة أكبر بكثير تحدث أمامنا بالفعل، هي تغير المناخ، وإلا فقد لا يبقى عالم ننقذه.








