
د/ خالد منتصر
نسمع هذا الصراخ بشدة هذه الفترة خاصة مع التحقيق مع الطبيب الذي تجاوز حد الفتوى الطبية غير المبنية على أدلة، إلى مرحلة القتل مع سبق الاصرار والترصد، والكلام المرسل على الميديا المخلوط بهلوسات وضلالات البارانويا الحادة، وهذه ليست أول مرة، ولا أول شخص، سواء طبيب أو لا ينتمي للطب، لكن المشهد يتكرر وبانتظام، خاصة في مجتمع يفتقر الى أبسط أبجديات التفكير العلمي، السيناريو: شخص يخرج على الناس مدعيًا اكتشاف “دواء خارق” يشفي من أمراض مستعصية، وما إن يُسأل عن الدليل العلمي حتى يبدأ في سرد قصة جاهزة: “مافيا الدواء تحاربني”، “الشركات العالمية تريد إسكاتي”، “الطب الحديث سموم”، و“العلاج البديل هو الحل”، هذه السردية لا تُستخدم للدفاع عن اكتشاف حقيقي، بل تُستخدم غالبًا للهروب من سؤال واحد بسيط: أين الدليل؟، العلم لا يعمل بالقصص ولا بالمظلومية، ولا باللايفات واللايكات، بل يعمل بالبرهان، وأي شخص يدّعي علاجًا طبيًا يصبح – تلقائيًا – مطالبًا بإثبات ادعائه وفق قواعد البحث العلمي المعروفة، وليس بإلقاء التهم على كيانات غامضة بلا أسماء ولا مستندات، فالاكتشاف العلمي مثل الزواج، لابد للاعتراف به من اشهار، والاشهار له قواعد، نشر في مجلة علمية محكمة، وليس في مجلة ميكي أو البعكوكة، وعرض في مؤتمر دولي، وليس في مؤتمر حول حمام سباحة أحد الفنادق في العين السخنه!، أول ما يفضح ادعاء وخرافة “مافيا الدواء” هو الواقع الاقتصادي نفسه، صناعة الدواء ليست كيانًا واحدًا متآمرًا، بل آلاف الشركات المتنافسة بشراسة، أي علاج فعّال بالفعل يمثل فرصة ذهبية لتحقيق أرباح ضخمة، وليس عبئًا يجب دفنه، مافيا الدواء” هذه، لو كانت موجودة فعلًا، فهي أغبى منظمة عرفها التاريخ. منظمة تمتلك المال والعلم والنفوذ، لكنها – بشكل غريب – تقرر ألا تستفيد من علاج فعّال يدر مليارات الدولارات، وتكتفي فقط بمطاردة مكتشف عبقري يظهر على فيسبوك لايف،لو الدواء الذي يتحدث عنه حقيقي، فهناك ثلاث سيناريوهات فقط، إما أن تشتريه شركات الدواء، أو تتصارع عليه، أو تقلده خلال شهور، أما سيناريو “يتركوه ويحاربوه” فهذا يصلح لفيلم درجة ثالثة، لا لنقاش علمي، تاريخ الطب مليء بأدوية دمّرت أسواقًا كاملة من الأعشاب والعلاجات الفاشلة، ومع ذلك لم تُخفَ، مثل البنسلين الذي أنهى عصر الوفيات الجماعية من العدوى البكتيرية، والإنسولين الذي حوّل السكري من حكم بالإعدام إلى مرض يمكن التعايش معه، واللقاحات التي قضت على أوبئة كانت تحصد ملايين الأرواح. لو كانت هناك “مافيا دواء” تمنع العلاج الحقيقي، لما رأى أي من هذه الاكتشافات النور، ثم يأتي الادعاء الشائع بأن “الأدوية الكيميائية سموم” مقابل “العلاج الطبيعي الآمن”، هذا تبسيط مضلل وخطير، فالطبيعة مليئة بالسموم القاتلة، من السيانيد إلى الزرنيخ إلى سموم الأفاعي، وكلها مواد طبيعية بالكامل. في المقابل، كثير من الأدوية الصناعية تُنقذ الحياة لأنها خضعت للتجربة والقياس وضبط الجرعات، السمية ليست صفة أخلاقية، بل مسألة جرعة وتأثير. المادة الواحدة قد تكون دواءً منقذًا بجرعة، وسمًّا قاتلًا بجرعة أخرى.
الدجالون يتعمدون أيضًا الغموض. لا يشرحون آلية عمل الدواء، ولا يحددون جرعات واضحة، ولا يذكرون آثارًا جانبية، ولا يقدمون نتائج تجارب إكلينيكية منشورة، ولا يسمحون بمراجعة مستقلة. هذا الغياب ليس علامة عبقرية، بل علامة احتيال. العلم بطبيعته شفاف، وكلما كان الادعاء أكبر، كان مطلوبًا منه دليل أقوى، الاكتشاف العلمي الحقيقي لا يُحارب بالصمت أو بالاخفاء، بل يُختبر، الباحث الذي يملك علاجًا فعّالًا ينشره في مجلة علمية محكّمة، يخضع للنقد، ثم يراه يتكرر في أبحاث مستقلة، إن ثبت نجاحه، تحتفي به المؤسسات العلمية، وقد يحصل صاحبه على جوائز عالمية، لا على مقاطع “لايف” غاضبة على وسائل التواصل، الدجال لا يقدم أبدًا: آلية عمل واضحة، جرعات محددة،دراسات منشورة، مجموعات مقارنة، آثارًا جانبية، ولا حتى أرقامًا حقيقية، كل ما يقدمه قصصاً غامضة، وتجارب شخصية، وعبارات من نوع “العلماء مصدومين”، و“نتائج مذهلة”، و“سيغيّر تاريخ الطب”، و”أمريكا بتتهز”، والغريب أن تاريخ الطب لا يسمع عنهم أبدًا، العلم يا سادة لا يُدار باللايفات، ولا بالشتائم، ولا بلعب دور الضحية، العلم بسيط وصارم وما بيهزرش : انشر بحثك.، دع الآخرين يراجعونه، اسمح بتكراره، وإن كان صحيحًا، سيقف العالم كله خلفك، وستدخل التاريخ من أوسع أبوابه، لا من بوابة البلاغات والنظريات، الحقيقة المؤلمة للدجالين أن الاكتشافات الحقيقية لا تحتاج صراخًا ولا مؤامرات. تحتاج فقط إلى بيانات، وعندما تغيب البيانات، تظهر “مافيا الدواء” كحكاية لتنويم الجمهور، وابتزاز المرضى، وبيع الأمل بدل العلاج، يا سادة، من يملك علاجًا حقيقيًا، يواجه العالم بالعلم، ومن لا يملك، يواجهه بنظرية مؤامرة، وبين الاثنين… فرق واضح لا يراه فقط من يريد أن يُخدع، المدمن لأن ينصب عليه، اللافت أن من يروجون لخرافة “مافيا الدواء” لا يكتفون بتضليل المرضى، بل يستغلون خوفهم ويبيعون لهم أملًا زائفًا، وهذا أخطر من الكذب نفسه، لأن ثمنه يكون أحيانًا حياة إنسان تأخر عن علاج حقيقي، أو ترك دواءً مثبت الفاعلية لصالح وصفة بلا دليل، العلم لا يخاف من الاكتشافات، لكنه يرفض الدجل، الاكتشافات الحقيقية تُختبر، تُكرر، وتُثبت. أما نظريات المؤامرة فهي الملاذ الأخير لمن لا يملك دليلًا، ولا يريد أن يملكه. وبين العلم والوهم، يظل الفارق واضحًا: الأول يطلب البرهان بالتجربة المعملية، والثاني يطلب التصديق بالفهلوة وبشيك على بياض.
