
بقلم: د. جميل جورجى
gamil.gorgy@gmail.com
تعد منطقة الشرق الأوسط بؤرة ساخنة للصراعات نتيجة العديد من الأسباب، فهى منطقة القلب في العالم ومن يسيطر عليها يمكنه أن يتحكم فى إدارته، لذلك كانت دائمًا وأبدًا ساحة للصراع بين الدول الكبرى ذات الأحلام التوسعية وميدانًا للحروب.
و من بين الخصائص الأخرى للمنطقة؛ أن أي صراع مهما صغر حجمه سرعان ما يتم تدويله ـ يتحول إلى صراع دولي ـ يصعب تسويته، وتفشل كل محاولات الوساطة، لاسيما فى ظل ضعف التنظيم الدولى “الأمم المتحدة” وسيطرة الدول الكبرى عليه من خلال حق “الفيتو”.
وقد دفع ذلك “هنرى كيسنجر” الذى لعب دورًا كبيرًا فى رسم ملامح النظام الدولى خلال العقود الثلاثة الماضية إلى وصفها بأنها منطقة فخاخ وشراك خداعية، إن لم تتوخ فيها الأقدام الحذر فسرعان ما تنزلق إلى هوة سحيقة. و من بين الخصائص أيضًا أنها كانت ساحة للتنافسات الإقليمية والدولية ذات الأطماع التوسعية مثل “إيران” و”إسرائيل” والعالمية “كالولايات المتحدة” و”روسيا”، و فى مقال “فيفيان نيريم ” بعنوان “دول الخليج محاصرة بين الولايات المتحدة وإيران وتواجه سيناريو كارثيا” صرحت قائلة: لقد انجرفت الدول الغنية بالطاقة والتي عملت على تجنب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى ذلك الصراع المتصاعد، وكانت قلقلة من نشوب حرب لا يمكن السيطرة عليها مع “إيران”.
وتؤكد “نيريم” أن مصدر قلق دول الخليج من احتمال نشوب حرب لا يمكن السيطرة عليها مع إيران هو أن تؤدى إلى جلب الصواريخ والطائرات المسيرة إلى مدنها المتألقة، مما يؤثر على السياحة ويدفع المديرين التنفيذيين الأجانب إلى الفرار.
وترى “نيريم” أن الخوف من الصراع مع إيران أحد الأسباب التى دفعت دول الخليج إلى توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة وبناء قواعد عسكرية أمريكية وإنفاق عشرات المليارات من الدولارات على الأسلحة الأمريكية وكانوا يأملون فى شراء “الحماية” من إيران ووكلائها الإقليميين.
وترى “نيريم” أن الدول العربية تؤيد ذلك الرأى وهو أن المنطقة تشهد حروبًا ونزاعات أمريكية متوالية بدأها حلفاؤها باستخدام أسلحة أمريكية مما أدى إلى تدمير دول بأكملها.
وبالرغم من العلاقات الودية مع “ترامب”؛ فهم يحذرون من عدم القدرة على التنبؤ بتصرفاته، وتؤكد “نيريم” على أن العديد من المحللين يرون أن الخليجيين ينظرون إلى إسرائيل على إنها مصدر تهديد للأمن الإقليمي وإنها أصبحت أكثر عدوانية منذ أن شنت “حماس” هجومها فى 7 أكتوبر2023، لذلك حرصت على عدم الانجرار إلى صراعات إقليمية.
و فى مقال “راجان مينون” بعنوان “لا أحد يستطيع التنبوء بكيفية تطور الحرب الأمريكية مع إيران”؛ صرح قائلًا: لقد أصبحت الحرب بالفعل إقليمية بمهاجمة إيران للدول العربية المتحالفة مع “الولايات المتحدة” على أمل أن تضغط على “ترامب” لوقف إطلاق النار.
ويؤكد “مينون” على أن “ترامب” قبل شن الهجوم قدم لائحة اتهام مطولة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعود إلى ثورة 1979 ألا وهى الاستيلاء على السفارة الأمريكية فى طهران ودعم الإرهاب والوحشية تجاه مواطنيها ودعم الوكلاء الذين قتلوا الأمريكيين.
ويرى “مينون” أنه بالرغم من الشكاوى ووصفه للحكومة الإيرانية بأنها شريرة فقد أرسل مبعوثيه إلى “جنيف” للتفاوض مع طهران بشأن برنامجها النووى وبعد ثلاث جولات سئم من الدبلوماسية ملقيًا باللوم على الإيرانيين بالرغم من تأكيد وزير الخارجية الإيرانى على أن إيران لن تطور أسلحة نووية تحت أي ظرف.
ويرى “مينون” أن “ترامب” لو كان ذكيًا لاستغل هذه التنازلات غير المسبوقة وأدعى النصر وتفاخر بأنه انتزع من “إيران” صفقة أفضل مما حصل عليه “أوباما” إلا أن دافعه الحقيقى كان أكثر طموحًا وهو سقوط الجمهورية الإسلامية.
ويؤكد “مينون” أن “ترامب” بعد ساعة واحدة من قصف إيران فى أقل من عام دعا مرة أخرى الإيرانيين إلى السيطرة على حكومتهم بمجرد انتهاء العمليات العسكرية، وعدم إهدار ما قد يكون فرصتهم الوحيدة لأجيال قادمة وفى الوقت نفسه؛ وجه “نتنياهو” الأكثر تصميمًا من “ترامب” نداءات لإسقاط الجمهورية الإسلامية.
ويرى “مينون” أن تدمير الجمهورية الإسلامية التى تتعرض الآن للهجوم لن تستسلم دون قتال حتى النهاية، بغض النظر عن العواقب إذ أن اغتيال “خامئنى” المرشد الأعلى؛ أكد لهم أن وجود الجمهورية الإسلامية قد أصبح معلقا فى الميزان.
ويختتم “مينون” مقاله قائلاً: لن تنشر الولايات المتحدة ولا إسرائيل قوات برية، لكنهما لا يستطيعان تدمير الدولة الإيرانية بالضربات الجوية والصاروخية وحدها وسيتطلب الأمر مقاومة مستمرة على الأرض، وأنه من خلال الدعوة إلى “ثورة جماعية” إنما يريد أن يكون الإيرانيين المدنيين بمثابة قواتها البرية.
و فى مقال “جيريمى بوين” بعنوان “لا نزال لا نعرف إلى أين تتجه هذه الحرب” صرح قائلاً: لا تزال الحرب تتصاعد وعلى ما يبدوا أنه بحلول الوقت الذى انتهى فيه من كتابة المقال سيكون قد تم إطلاق المزيد من الصواريخ، ومن المرجح أن يكون الأشخاص الذين مازالوا على قيد الحياة سيكونون أمواتا.
ويؤكد “بوين” على أن “ترامب” صرح بأن صواريخهم سوف تسوى بالأرض صناعتها وتقضى عليها تمامًا وتدمير أسطولهم البحرى وسيضمن ألا تتمكن هذه الجماعات الإرهابية التابعة لها من زعزعة استقرار المنطقة و العالم ومهاجمة قواتنا.
ويؤكد “بوين” على أن نقل مسئولية تغيير النظام إلى الشعب الإيراني حتى عندما يشجعهم على التحرك ضد النظام إنما يمنحه مخرجًا حال أن نجا النظام ويمكن اعتباره مسئولية أخلاقية على الولايات المتحدة إتمامها. ويرى “بوين” أن اغتيال المرشد الأعلى وكبار مستشاريه العسكريين كان بمثابة ضربة قاصمة للنظام إلا أن ذلك لا يعنى بالضرورة انهياره، فقد صمم “خامئنى” منذ ما يقرب من 50 عامًا مؤسساته لتصمد أمام الحروب والاغتيالات، لقد بنيت الدولتان السورية والليبية فى عهد “القذافى” و”الأسد” حول عائلات حاكمة لذلك عندما قتل “القذافى” وفر “بشار” انهارت هذه الأنظمة.
ويؤكد “بوين” على أن العمل العسكري الذى تقوم به الولايات المتحدة وإسرائيل قد يدمر القدرات العسكرية الإيرانية، وأن يغير المعادلة فى الشرق الأوسط، وحتى لو نجا النظام سيصبح من الصعب استبدال نظام أزيل بالقوة بنظام سلمى ومتماسك.
و فى مقال “جوليان بارنز” وآخرين بعنوان “حرب بلا فائزين” صرح قائلاً: لقد أغرقت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران الشرق الأوسط فى حرب واسعة وأن الانتقادات والتشابكات الإقليمية وتعطيل التجارة يجعلنا أمام نتيجة واحدة واضحة ألا وهى لن يحقق أى طرف نصرًا سهلًا.







