
ينقل القرار الذي تبناه البرلمان الأوروبي بأغلبية كبيرة ملف التعامل مع شبكات تنظيم الإخوان إلى مستوى أوروبي أوسع، بعدما دعا إلى وضع استراتيجية مشتركة لمواجهة ما وصفه بـ«التغلغل» من جانب الجماعات المتشددة، وتعزيز آليات رصد نفوذ التنظيم وشبكاته داخل المجتمعات الأوروبية.
ويُنظر إلى القرار باعتباره خطوة سياسية قد تمهد لمزيد من الإجراءات تجاه كيانات أو أفراد يُشتبه في ارتباطهم بالتنظيم، إذا خلصت التحقيقات والملفات المستقبلية إلى استيفاء المعايير القانونية اللازمة.
ماذا يعني التصويت الأوروبي؟
يحمل القرار عنوان «الحاجة إلى استراتيجية أوروبية لمواجهة تغلغل الجماعات المتشددة وتأثير شبكة الإخوان»، ويدعو إلى تطوير أدوات أوروبية موحدة لرصد أنماط النفوذ، بدلًا من ترك التعامل مع الملف لتقديرات كل دولة على حدة.
كما دعا القرار إلى استبعاد منظمة «فيميسو»؛ منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والطلاب المسلمين، من المؤسسات الأوروبية، على خلفية ما وصفه القرار بصلاتها بتنظيم الإخوان، إلى جانب وقف أي تعاون أو دعم مؤسسي أو مالي قد تستفيد منه داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
ويشدد القرار كذلك على أهمية تتبع الأموال الأوروبية التي تصل إلى كيانات يُشتبه في ارتباطها بالجماعات المتشددة، ووقف أي تمويل يثبت توجيهه إلى جهات محظورة.
4 مسارات متوقعة لتشديد الرقابة
يرى مختصون في شؤون الجماعات المتطرفة أن تنفيذ التوجهات التي تضمنها القرار يمكن أن ينعكس خلال المرحلة المقبلة عبر أربعة مسارات رئيسية:
- تشديد الرقابة على مصادر التمويل.
- تدقيق أكبر في علاقات الجمعيات والمؤسسات بالجهات الأوروبية.
- توسيع عمليات فحص الروابط بين الكيانات المختلفة.
- تحديد الأفراد والمنظمات الذين يمكن أن يخضعوا لإجراءات قانونية أو مالية.
أما المسار الأكثر حساسية، فيتمثل في إمكانية أن تقود التحقيقات وتبادل المعلومات بين الدول الأعضاء إلى إعداد ملفات تستوفي المعايير القانونية اللازمة لبحث إدراج كيانات أو أفراد على قوائم الإرهاب الأوروبية.
خبراء: القرار يبعث برسالة سياسية
قال المدير التنفيذي لمعهد ميلتون فريدمان الإيطالي، أليساندرو برتولدي، إن التصويت الأوروبي يمثل رسالة سياسية مهمة، معتبرًا أن أوروبا تتجه نحو تشديد التعامل مع الإرهاب والتطرف والشبكات المنظمة التي يُعتقد أنها قادرة على ممارسة نفوذ سياسي واجتماعي وثقافي.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب استكمال المسار على المستوى الأوروبي، متوقعًا على المدى القصير تشديد التدقيق في مصادر التمويل والعلاقات مع الجهات الأجنبية وإمكانية الوصول إلى الأموال والمؤسسات الأوروبية.
وشدد في الوقت نفسه على ضرورة أن ترافق هذه الإجراءات استراتيجية أوروبية مشتركة مع احترام الحريات الأساسية.
اختلاف المواقف الأوروبية تجاه التنظيم
من جانبه، قال الأكاديمي الفرنسي وأستاذ العلاقات الدولية فرانك فارنيل إن القرار يمثل دفعة جديدة نحو تشديد الإجراءات ضد شبكات الإخوان في أوروبا، في ظل اختلاف سياسات الدول الأعضاء في التعامل معها.
وأوضح أن نشاط التنظيم في أوروبا لا يعتمد بالضرورة على هيكل مركزي معلن، وإنما يمكن أن يظهر عبر شبكات محلية تضم مؤسسات دينية وتعليمية ومجتمعية في عدد من الدول، من بينها فرنسا وألمانيا وبلجيكا والنمسا والمملكة المتحدة.
وأشار إلى أن فرنسا والنمسا اتخذتا خلال السنوات الماضية مواقف أكثر تشددًا في بعض الملفات المتعلقة بهذه الشبكات، بينما اتبعت دول أخرى، مثل بريطانيا وبلجيكا، مقاربات مختلفة تركز بصورة أكبر على مكافحة الإرهاب.
التمويل تحت المجهر
ويرجح فارنيل أن يكون الملف المالي من أكثر القضايا حساسية خلال المرحلة المقبلة، في ظل المطالب المتزايدة بتعزيز القدرة على تتبع الأموال العامة والأجنبية التي تصل إلى منظمات يُشتبه في ارتباطها بشبكات الإخوان.
وأضاف أن بعض التحقيقات في فرنسا تناولت هياكل مالية وملفات تتعلق بالشفافية والمحاسبة والحوكمة داخل منظمات يُشتبه في ارتباطها بالتنظيم، معتبرًا أن القرار الأوروبي يمكن أن يدفع باتجاه مزيد من التنسيق بين الدول والمؤسسات الأوروبية.
ولا يأتي التحرك الأوروبي بمعزل عن التطورات في بعض الدول الأعضاء؛ إذ شهدت فرنسا خلال الفترة الماضية نقاشات متزايدة بشأن النفوذ والتمويل والشبكات المرتبطة بالتنظيم.
وفي يناير 2026، تبنت الجمعية الوطنية الفرنسية قرارًا غير ملزم يدعو إلى التحرك نحو إدراج تنظيم الإخوان وقادته على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، بينما أقر مجلس الشيوخ الفرنسي في مايو مشروع قانون يستهدف ما وصفه بـ«التغلغل الإسلاموي»، وهو مسار لم يتحول بعد إلى قانون نافذ.
هل يصل الأمر إلى قائمة الإرهاب الأوروبية؟
قالت الخبيرة الأميركية في الشؤون الدولية والاستراتيجية إيرينا تسوكرمان إن القرار قد يؤدي إلى إخضاع المنظمات المرتبطة بتنظيم الإخوان لمزيد من التدقيق، خصوصًا في ما يتعلق بالتمويل والعلاقات مع الحركات السياسية الأجنبية والوصول إلى المؤسسات العامة.
وتوقعت إمكانية إجراء تحقيق أوروبي منسق يستند إلى معلومات استخباراتية ومالية جمعتها السلطات الوطنية، ولا سيما في فرنسا وألمانيا والنمسا، مع اختلاف الأطر القانونية وآليات تقييم المنظمات من دولة إلى أخرى.
كما رجحت أن تشدد المؤسسات المالية الرقابة على المعاملات التي تشمل أفرادًا أو كيانات ترد أسماؤها في تحقيقات رسمية، وأن تعيد بعض الحكومات والمؤسسات العامة النظر في ترتيبات التمويل.
وتبقى الخطوة الأبعد مدى مرتبطة بنتائج التحقيقات ومدى استيفاء المعايير القانونية؛ إذ يمكن أن تفتح المعلومات التي تجمعها الدول الأعضاء باب النقاش حول إجراءات أكثر صرامة، بما في ذلك إدراج كيانات أو أفراد على قوائم الإرهاب، إذا توافرت الشروط القانونية المطلوبة.








