
بقلم /محمد عبد الرحيم حامد
السودان يحترق والإمارات تعبث بالنار
لم تكن الساحة السودانية يوما بعيدة عن أطماع القوى الإقليمية لكن ما تشهده اليوم من تدخلات سافرة تجاوز حدود المصالح إلى العبث الصريح بمستقبل دولة عربية شقيقة ينذر بما هو أخطر من مجرد صراع نفوذ عابر فالسودان لم يعد ساحة داخلية بل أصبح مسرحا لصدامات بين قوى خليجية وإقليمية تحركها حسابات النفوذ لا ضمير العروبة ولا مقتضيات الأخوة
الصراع الخليجي الدائر في السودان تجاوز حدود التنافس الاقتصادي أو السياسي وأصبح حرب نفوذ حقيقية تهدد وحدة البلاد فهناك مخطط واضح لتقسيم السودان إلى ثلاث دول السودان الحالية ودارفور وكردفان بعد أن انفصل الجنوب فعلا منذ سنوات وتؤكد المعطيات أن إسرائيل دخلت على الخط عبر دعمها لقوات الدعم السريع بالتنسيق مع الإمارات وإثيوبيا التي تحاول فرض نفسها كقوة إقليمية تشتبك مع الجميع مصر والسودان وإريتريا وجيبوتي والصومال في مواجهة الجيش السوداني السلطة الشرعية الرسمية في البلاد وفي المقابل تدعم السعودية وقطر الجيش السوداني كفصيل من فصائل الصراع بينما تبقى مصر وحدها في موقع الدولة التي تسعى للحفاظ على السودان موحدا لا كطرف في نزاع مسلح بل كضامن لوحدة الجار الجنوبي واستقراره
للأسف الشديد تلعب الإمارات اليوم بالنار في السودان فقد تورطت بكل المقاييس في دعم أفعال حميدتي ومليشياته وساهمت في تمويل وتسليح جماعات تمارس القتل والتهجير والتصفية تحت مظلة الدعم السريع ما يجري ليس مجرد صراع عسكري بين فرقتين بل عملية ممنهجة لضرب البنية المدنية للسودان وإعادة تشكيله ديموغرافيا بما يخدم مصالح خارجية دون أي اعتبار للإنسان أو التاريخ أو الهوية
والأخطر أن ما يحدث اليوم في السودان هو حرب إبادة جماعية بكل المقاييس ضد الأشقاء السودانيين والعالم صامت وكأنه يتواطأ بالصمت على جريمة مكتملة الأركان آلاف الضحايا وملايين المهجرين ومدن تسوى بالأرض أمام أنظار الجميع دون أن يتحرك ضمير أو موقف دولي حقيقي ولعل الهدف الأعمق من تفتيت السودان هو مصر نفسها فإضعاف السودان وتمزيقه يفتح الباب لمحاصرة القاهرة من الجنوب وضرب أمنها المائي والاستراتيجي
السودان ليس سوى نموذج صارخ لفشل السياسات الخليجية في إدارة النفوذ الخارجي فالتنافس مفهوم والمصالح مشروعة لكن أن يكون النفوذ على حساب استقرار الدول فهو أمر مرفوض لقد أنفقت دول الخليج مليارات الدولارات في مشروعات اقتصادية وتقنية وسياحية وسوقت نفسها كقوى صاعدة لكنها لم تحصد الريادة السياسية ولا الزخم الحضاري المطلوب فلجأت إلى طريق آخر وهو تكسير دول الحرس القديم أي دول التاريخ والحضارة وهكذا سقطت سوريا والعراق وليبيا واليمن في دوامة الفوضى وها هو السودان يسير في الاتجاه نفسه
اللافت أن هذه ليست اتهامات مصرية أو عربية متحاملة بل حقائق أقر بها مسؤولون خليجيون أنفسهم فقد اعترف رئيس وزراء قطر الأسبق حمد بن جاسم بأن برامج وسياسات وضعت عمدا لضرب استقرار دول الربيع العربي وهو اعتراف موثق بالفيديو إذن ليست المشكلة في شق الصف كما يروج البعض فالصف العربي مشقوق أصلا والتنافس بين أنظمة الخليج ظاهر للعيان وتكفي قمة شرم الشيخ الأخيرة شاهدا على ذلك
بين كل هذا الركام تبقى مصر الدولة العربية الوحيدة التي لا تزال تمارس السياسة بعقل كبير وبشرف واضح فهي لا تعبث بجيرانها ولا تستخدم المال لتفكيك الدول بل تسعى لإشراك الجميع في إطار من التفاهم والمصير المشترك مصر تدرك أن سقوط السودان يعني سقوط عمقها الاستراتيجي وأن أمنها القومي يبدأ من الجنوب ولهذا تدافع عن وحدة السودان لا عن فريق فيه
إلى إخواننا في الخليج حكومات وأنظمة وشعوبا استقيموا في سياساتكم يرحمكم الله فالعرب جسد واحد وإذا أكل الثور الأبيض اليوم فلن ينجو الثور الأحمر غدا راجعوا حساباتكم وصححوا مساركم فالعروبة ليست شعارا يرفع في المؤتمرات بل موقف يتخذ ساعة الخطر وإن أنقذتم السودان من مصير التقسيم فسيصفق لكم الجميع وستكسبون ما هو أثمن من النفوذ احترام التاريخ والإنسان







