
تمكن علماء الفلك من رصد نوع نادر من الميثانول في الفضاء، يتميز باحتوائه على الديوتيريوم، وهو نظير ثقيل للهيدروجين، في اكتشاف قد يساعد على فهم التفاعلات الكيميائية التي تحدث خلال المراحل الأولى من تكوّن النجوم والكواكب.
وجاء الاكتشاف باستخدام مصفوفة أتاكاما المليمترية وتحت المليمترية الكبيرة «ALMA»، التي رصدت إشارة الجزيء المعروف بالصيغة الكيميائية «CD₃OD» بالقرب من النجم الأولي «IRAS4A2»، داخل سحابة فرساوس الجزيئية، على بُعد نحو 1000 سنة ضوئية من الأرض.
ووفقاً للمعلومات الواردة في التقرير، يمثل الرصد أول اكتشاف مؤكد لهذا النوع من الميثانول في المنطقة المدروسة.
ما أهمية اكتشاف الميثانول الثقيل في الفضاء؟
يُعد الميثانول، المعروف كيميائياً بالصيغة «CH₃OH»، أبسط أنواع الكحولات، ويلعب دوراً مهماً في الكيمياء العضوية داخل الفضاء، إذ يمكن أن يشارك في تفاعلات تؤدي إلى تكوين جزيئات أكثر تعقيداً.
وتبدأ بعض هذه العمليات على أسطح حبيبات الغبار الكوني، حيث تتفاعل ذرات وعناصر مختلفة لتكوين مركبات جديدة. ومع ارتفاع درجات الحرارة المحيطة بالنجم الوليد، تتحرر الجزيئات المتجمعة على الغبار إلى الحالة الغازية، ما يتيح للعلماء رصد بصماتها باستخدام التلسكوبات الراديوية.
ولا تقتصر أهمية هذه العمليات على الميثانول وحده، إذ تُرصد في البيئات النجمية الفتية جزيئات عضوية أكثر تعقيداً، من بينها مركبات كحولية مثل الإيزوبروبانول.
الديوتيريوم يكشف مراحل التطور الكيميائي للنجوم
يحظى اكتشاف الجزيئات المحتوية على الديوتيريوم، المعروفة بالجزيئات المُدَيْتَرة، باهتمام خاص لدى علماء الكيمياء الفلكية، لأن تكوّن كثير منها يرتبط بظروف شديدة البرودة، وهي ظروف تتوافر في المراحل المبكرة من نشأة النجوم.
ويحتوي الجزيء المكتشف «CD₃OD» على ثلاث ذرات ديوتيريوم تحل محل ثلاث ذرات هيدروجين في مجموعة الميثيل، بينما تبقى ذرة هيدروجين في مجموعة الهيدروكسيل.
وقالت سيلفيا سبيكانو، عالمة الكيمياء الفلكية في معهد فيزياء خارج الأرض التابع لجمعية ماكس بلانك والمشاركة في البحث، إن دراسة الديوتيريوم تساعد على تتبع التطور الكيميائي للجزيئات خلال تكوّن النجوم والكواكب.
وأضافت أن فهم هذه العمليات قد يتيح للعلماء إعادة بناء المسار الذي تسلكه الجزيئات المعقدة أثناء انتقالها من السحب بين النجمية إلى الأنظمة الكوكبية.
برنامج COMPASS يرصد أنظمة نجمية فتية
جاء الاكتشاف ضمن برنامج «ALMA COMPASS»، الذي يركز على دراسة الجزيئات العضوية المعقدة في النجوم الأولية باستخدام المسوح الطيفية.
وشمل البرنامج رصد 11 منظومة نجمية فتية، من بينها النجم الأولي «IRAS4A2»، الموجود داخل سحابة فرساوس الجزيئية على مسافة تقارب 1000 سنة ضوئية من الأرض.
وتمكن الباحثون في هذه المنطقة من تحديد البصمة الطيفية للميثانول المُدَيْتَر بالكامل «CD₃OD»، بما أتاح التعرف على الجزيء بصورة مؤكدة وفقاً لما أورده التقرير.
كما أسفر البرنامج عن نشر ست دراسات أخرى تناولت اكتشاف جزيئات عضوية إضافية، إلى جانب تطوير أساليب لتحليل الأطياف واسعة النطاق في المجال دون المليمترى للبحث عن مركبات جديدة حول النجوم الأولية.
كيف يساعد الاكتشاف على فهم نشأة الكواكب؟
تتيح دراسة المركبات العضوية في السحب الجزيئية الباردة فهماً أفضل للتفاعلات التي تسبق ولادة النجوم والكواكب، وكيفية تشكل المواد التي يمكن أن تنتقل لاحقاً إلى الأقراص المحيطة بالنجوم الفتية.
ومن خلال مقارنة الجزيئات التي تحتوي على الديوتيريوم بنظيراتها العادية، يستطيع العلماء الحصول على مؤشرات حول الظروف التي تشكلت فيها هذه المركبات والمسارات الكيميائية التي مرت بها.
ولا يعني اكتشاف الميثانول الثقيل وحده وجود حياة خارج الأرض، لكنه يضيف دليلاً جديداً يساعد على فهم تنوع الكيمياء العضوية في الفضاء، والعمليات التي تسهم في بناء الجزيئات المعقدة خلال المراحل الأولى من تكوّن الأنظمة الكوكبية.
ويُتوقع أن تسهم الدراسات المستقبلية باستخدام «ALMA» وغيرها من المراصد المتقدمة في الكشف عن مزيد من الجزيئات النادرة، وتوضيح دورها في تطور المادة داخل البيئات النجمية الفتية.








