
سفيان حكوم
ربما كان احد أمراض العقل العربي في انتاجاته هو التعصب واحادية الرؤية ، ولم يرث الاصوليون وحدهم هذه الخاصية ، ولكن يبدو ان الموروث الثقافي الذي افرزته مجتمعات البدو القبلية ، والمجتمعات الزراعية التي ينطبق عليها وصف نمط الانتاج الاسيوي ، وهذا الموروث مسؤول عن تكوين العقل العربي بهده السمة الاحادية ، ومن قبل لاحظ الدكتور فؤاد زكريا ان القيمة العليا في المجتمع العربي هي الطاعة سواء كانت دينية المصدر او اجتماعية المنشأ ، وتعني الطاعة هنا تجميد فعالية العقل في السؤال والتحليل والنقد ، ولعل الدرس الاول الذي يتعلمه اطفالنا في مدارسهم هو تشبيك الادرع فوق الصدر كعلامة للأدب وحسن الخلق ، وان كانت في حقيقتها هي اعلان صريح من المؤسسة التعليمية عن حقيقة القيم الضمنية التي توجه عملها : الطاعة والمسايرة والعبودية ، ووفقا للمفكرين والمربين والفلاسفة بورديو وايفان اليتش والتوسير ، فان المدرسة بآلياتها وعمليات تفاعلاتها تعزز انتاج ثقافة الخضوع والتبعية ، باعتبارها مؤسسة بعينيها في الاساس صممت لخدمة ابناء هذه المؤسسة ، وتطرد خارجها الآخرين الأقل حظا.
ويطرح السؤال ثانية : هل العقل الجمعي العربي تسلطي وقمعي في حقيقته؟
هذه الاسئلة هي المقياس النفسي الذي كونه وطبقه فريق من علماء النفس حول -احادية الرؤية وتعدديتها – للكشف عن مدى انتشار الرؤية الاحادية او التعددية الديمقراطية بين قطاعات عريضة من المثقفين العرب بدءا من رجال القضاء واساتدة الجامعات ونزولا الى فئات عادية من المواطنين.
وكان من اخطر ماكشف عنه المقياس من نتائج ، هو ان كلا الجانبين الاصوليون اصحاب الاحادية تجاه مخالفيهم ، وخاصة الاصوليين الاسلاميين ، والتعدديون من بين المثقفين الليبيراليين ، واليساريين ، والعلمانيين ، اي اصحاب الرؤية التعددية ، كلاهما ينفي الآخر ، وكلاهما يدعي انه من ملاك الحقيقة المطلقة ، وان الفريق الأخر المقابل على خطأ ، ولايمتلك في موقفه الفكري مشروعية ما ، او منطقية صحيحة ، فالاصولي السلفي / الآخواني المتهم دوما بالتشدد والتفكير الدوغماني المتعصب ليس وحده الدي ينفي الاخر ، بل ان الفريق التعددي الرؤية الذي يدعو الى الديمقراطية وحرية الرأي وحرية التعبير ، وحرية الاختلاف ، يرفض هو ايضا الاصوليين اصحاب الرؤية الاحادية ، وكأن مايسود الشارع العربي في الواقع هو ” حوار الطرشان”.
وهذه النتيجة التي تكشف عن تهافت وخداع المثقف الديمقراطي ، فهو رجعي في ديمقراطيته ، اي انه لايقبل ان يحيد عن موقفه ، وان يتفهم رأي ورؤية الاحاديين ، وبدا فان كلا الفريقين يمارس لعبة النفي والاقصاء في الواقع.
وماهو جدير بالتأمل هو التحليل الثقافي لمثل هذه النتيجة ، فهل نسيجنا الثقافي في حقيقته نسيج احادي ، قمعي ، تسلطي ، متعصب ، وان النضال لتدعيم الممارسة الديمقراطية ونشر الثقافة السياسية التعددية في فضائنا العربي وتفكيكه يأتي قبل ذلك ؟ ألا يمكن من هنا ان نفهم محاولات زكي نجيب محمود ، وعابد الجابري ، وعلي حرب ، وحليم بركات، في مشاريعهم الفكرية من خلال هذه الزاوية ؟ ثقافتنا كما يبدو ثقافة طرح لا جمع ، وثقافة نفي لا جدل ، وثقافة احادية لا تعددية.
وليس الحاكم وحده هو المسؤول عن ظاهرة الركود والقمع في مجتمعاتنا العربية بل ان الموروث التراكمي من التاريخ والجغرافيا والثقافة هو مولد مثل هذه العقلية ، وليس اليساريون بمنجاة عن اليمينيين ، ولا حظ الليبيراليين بأفضل من حظ السلفيين في هذا ، فكل فريق ينكر على الاخر موقفه واختلافه ، ونحن نستجيب بأمانة لتراث طويل من النفي ، والاقصاء ، والتسلط ، والتبعية في لا شعورنا السياسي.
ومن هنا يظل باب المسجد الاخر مسدودا امام المصلين الذين اختاروا الخروج من باب غير باب الحجاج الثقفي ، وسوف تظل الرؤوس مطامنة لسيف الحجاج لو مارست حقها في الاختيار والحرية ، وليس خونة الأمة وديكتاتوريوها وحدهم هم اعداء الحرية ، بل نحن جميعا ابناء ثقافة النفي والاقصاء والتسلط والقمع.
وما لم نفكك في سداتها ولحماتها بالفهم والنقد ، وما لم نكشف عن آلياتها في القمع والاحادية والنفي فسوف نظل ديمقراطيين في مظهرنا ، تسلطيين في مخبرنا ، وسوف تظل الديمقراطية اشبه بملابس الامبراطور القديم: غير موجودة في الواقع.
