
بقلم : سمير لوبه
في شارعنا يعشق الزمن دفء الأرصفة، وعلى الرصيف أمام دكانه يقف كعلامةٍ مسجلةٍ من عبق الإسكندرية في نهاية السبعينيات، اسمه الحقيقي لا يعرفه أحد، فقط الحارة ترغب في تسميته كما تحب “العنّابي ” الذي غنّى له المطرب كارم محمود أغنية عنابي هكذا كنا نظن.
في دكانه ذي اللافتة الكبيرة تتراص عيدان القصب في نظامٍ تؤدي التحية للعنّابي، هو رجلٌ في منتصف العمر، قصير القامة، دائم الابتسام، تسكن وجهه الضحكة لا تتركه أبدًا، بشرته قمحي، وعيناه فيهما طيبة الحارة الشعبية الأصيلة ، يلبس جلابيةً قطنيةً بيضاءَ مكويةً بعناية، تلف رأسه عمامةٌ ناصعةُ البياض، كل من يمر بالشارع يعرفه، يرفع يده لتحيته، وهو كعادته يرد التحية بابتسامته الصافية ذاتها:
- ربنا يباركلك يا حاج
دكانه قلبٌ ينبض، تتأرجح في سقفه مروحةٌ قديمةٌ تبرد الهواء، ومن الكاسيت المعلق على باب الدكان، لا نسمع سوى أغنية “عنّابي يا عنّابي، يا خدود الحليوة” و كأنها النشيد الرسمي للدكان، الأطفال حفظوها دون قصدٍ، والكبار كلما سمعوها ابتسموا، وفي أيام الصيف، و حرارة الشمس تذوب على الأسفلت، والناس تتصبب عرقًا، يزدحم باب دكان العنّابي بالوجوه العطشى لشوب عصير قصب مثلج، يناولهم الكوب بابتسامته الخالدة قائلًا:
- بالهنا والشفا، من إيد العنّابي
ويدخل علينا شهر رمضان، ليتحول الدكان إلى خلية نحل قبل آذان المغرب، يزدحم الشارع كله، نساءٌ ورجال وأطفال خلف أمهاتهم، الجميع ينتظر دوره ليأخذ الخروب، والعرقسوس ، قبل أن يضرب المدفع، العنّابي وحده لا يتوتر، يضحك وهو يناول الخروب لزبائنه، وفيما الناس تفطر بعد آذان المغرب، يضع العنابي كوبَ خروبٍ لنفسه على طاولته، ثم يجلس ليرتب نقوده، فوقه صورة للعذراء في ثوبها الأزرق تنظر في هدوء يشع من حولها النور، كان الزمان يستريح مطمئنًا على كرسي خشبي عند دكان العنّابي لا يريد الرحيل، ومع تبدل الأحوال غادر الزمان كرسيه الخشبي، وأُغلقت الدكاكين الطيبة، ونحن مازلنا نتذكر أغنية “عنابي يا عنابي يا خدود الحليوة “، وكوب العصير البارد، وابتسامة رجلٍ اسمه العنّابي، لا نعرف له اسمًا غيره، كان وجوده كافيًا ليُقال، الدنيا لسه بخير
