
قصة: مراد ناجح عزيز
عشر درجات سلم ..
تفصله عن معاينة الشّارع, خطوات قليلة اعتادها يوميّا, حيث امتداد كورنيش النّيل, بعيدًا عن منزل الأسرة القديم وقد تآكلت جدرانه تساقط طِلاؤها, ومن ثم أصبحت كوجه دميم, احتاج للكثير من الضمادات وأنواع المساحيق دون فائدة, كعجوز حاول إن يستتر في ثياب ليست له, ظنًّا منه أن صِبغة شعره وارتدائه بنطال كجوال وقميص تملؤه الأشجار أن يتحدّى جريان النهر, إلا وان حاول صيد إحدى الفراشات في طريقه, سقطت كل أقنعته وقد اشتد سُعاله وجحظت عيناه وزادت احمرارًا وكاد أن يفقد الوعي نتيجة تقلّص وصول الهواء إلى رئتيه, يتأبّط الأستاذ( حَارس) شمسيّته خشية هطول الأمطار شتاءًا, مرتديًا جاكت صوفي طويل احكم إغلاقه بالكامل, في محاولة منه إخفاء موضع احد أزرار قميصه الخاوية, وما إن يُردد الفضاء وقع أقدامه خارج المنزل, وإذا بسيل من التحايا يغمره بفائض حب, خطوات قليلة, يتوقّف بعدها, يتأمّل وجوه المارة من الرّجال والنّساء وبعض واجهات المحلات التّجارية, لا من اجل التّأمّل فقط, ولكنها وقفات ربّما شَعُر خِلالها بارتفاع ضربات قلبه وتنميل في أصابع يديه, مما ينبيء عن ارتفاع الضّغط ربّما وربّما تجددت لديه نوبات ألم العامود الفِقري وهو ما جعله يمشي منحنيًا بعض الشّيء.
انتحى جانبًا بأحد كراسي المقهى المُطل على النّيل, وحيدًا يُطالع اللاشيء على امتداد عينيه, مساحة فراغ مابين أسنانه الأمامية كأنّما شّدّت يمينًا ويسارًا بقوّة غامضة, صوت أم كلثوم تحفظه جدران الشّقة كما تحفظ لوحاتها المُعلّقة وتفاصيلها, خلف باب الشّقة مباشرة يرقد كرسي خشب عتيق كان لوالده, حيث كانت جلسته كلّما شعر برغبة في مُطالعة وجوه سكّان المدينة وقراءة تفاصيل ما طرأ عليها من تغيير, مرآة تتوسّط المسافة بين الحمّام والمطبخ, أصابها ما أصابه الزمن من كسور, لكنها ظلّت
كتابه المفتوح لقراءة مرور الزّمن يومًا بيوم, يمرر يديه يتحسس ترهل جلد الرّقبة وانحسار الشّعر عن بعض الأماكن على جانبي فروة الرّأس, يطمئن على سلامة هندامه ولمعة حِذائه وتهذيب شاربه وبعض شُعيرات انفه, اشراقة وجهه وابتسامته كانت محط أنظار الجميع في العمل, وفي سؤاله عن السّبب في ذلك؟ لم يجد صعوبة بقوله: الزّوجة الصّالحة رزق من الله, في إشارة تحمل قيمة الزّوجة وإخلاصها, كونها تستطيع أن تُحيل صخريّة الأرض إلى حديقة تملؤها الزّهور, تُعيد إلى الحياة ابتسامتها إذا ما أرّقها الرّحيل, مضى وقت ليس بقليل جعل روّاد المقهى أكثر حضورًا, وعادة ما يحدث ذلك في مثل تلك الأوقات من الليل, حيث متنفّس لبعض الحرّيّة, والحديث عن العمل, ولا مانع من أستوديو تحليلي لإحدى المباريات, ازدحم الهواء بأدخنة السّجائر والنرجيلة, كما ازدحم بضجيج أصوات أرّقت سفره البعيد ولم يعد المكان صالحًا لوحدته, ارتشف سريعًا أخر ما تبقّى من فنجان قهوته, نظر إلى ساعة يده, لا بأس من عودته الآن ربّما احتاج الأمر بعض كلمات رقيقة لزوجته, لا سيّما وكانت كلماته عن إهمالها اليوم قاسية بعض الشّيء, عشر درجات سلّم صعدها إلى باب الشّقّة, تصاعدت أنفاسه, زادت ضربات قلبه, تعرّق وجهه, وبيد مُرتعِشة طرق الباب, لم يكتفي بذلك بل علا صوته مُناديًا: ( يا رءوف) مع تزايد طرقاته على الباب, ومع ارتفاع الصّوت تكرارًا, خرج جاره القديم ( حِشمت) متأسّيًا لحاله بقوله: (افتح الباب يا أستاذ حارس, المفتاح في جيبك) ربنا يرحم زوجتك, كانت سيّدة مِثال في الطّيبة وحُسن الخُلق, نظر إليه كمن رأى العالم لتوّه, اخرج المفتاح من سُترته الصّوفيّة, وكمن اهتزّت بعينيه السّماوات لتنفجر دموعًا, وإذا بالمكان خاويًا إلا من بعض صِور لزوجته الرّاحلة تُزيّن واجِهة الحائط, تقابلها صورة لابنه الوحيد(رءوف) الذي هاجر هو الآخر منذ زمن بعيد.







