
بقلم / نسرين حلس
أمضى الشرق الأوسط ما يعادل الشهرين وهو يتحمّل ما يراه بعض الساسة والمحلّلين توترًا سياسيا بين إسرائيل وإيران، تحت إدارة واشراف أمريكا. فالمواجهة ليست كحرب تقليدية، بل كانت على شكل ضربات عسكرية متبادلة وإشارات عدائية،بين الطرفين، إلى جانب إدخال دول الجوار في صراع غير مباشر لتحويلها لحرب اقليمية. وفي الوقت الذي خفت فيها وتيرة التصعيد، ودخلت حيز الهدنة، يتساءل كثيرون: هل انتهت الحرب أم أنها على وضعية التوقّف؟
حتى اللحظة ، لا يمكننا الوثوق بأن الحرب قد توقّفت فعلآ. وكأننا نشاهد نوعًا من “الحرب الباردة الساخنة”، إذ يشد كل طرفا الخيط لجهته بوضعيه حذرة، تجنب الأطراف الانزلاق إلى مواجهة شاملة مدمرة، لكنها في الوقت ذاته تستمر في الضغط على بعضها البعض بشتى الوسائل المختلفة. فمن جهة، ترى إسرائيل في إيران تهديدًا استراتيجيًا لها بسبب برنامجها النووي ودعمها لقوى مسلحة في المنطقة. وفي الجهة الأخرى، تعتبر إيران أن إسرائيل والولايات المتحدة تسعيان إلى إضعافها ومحاصرتها
ومع ذلك فالولايات المتحدة تلعب دورًا محوريًا في هذا الصراع، كونه الداعم الأكبر لإسرائيل عسكريًا وسياسيًا، وفي الوقت نفسه تحاول تجنب حرب واسعة قد تجر المنطقة إلى فوضى أكبر. لذلك، نراها تتدخل أحيانًا لاحتواء التصعيد، وأحيانًا أخرى تعزز وجودها العسكري كرسالة ردع
حتى الأن الاتجاه العام يشير إلى استمرار التوتر كمد وجزر، دون حرب شاملة على الأقل في المدى القريب. فجميع الأطراف تدرك أن الحرب الكبيرة ستكون مكلفة جدًا ومدمرة. فقد تحقق إسرائيل تفوقًا عسكريًا سريعًا في بعض الجبهات، يقابله في ذلك رد الإيراني وحلفاءه في المنطقة ما قد يفتح جبهات متعددة يصعب السيطرة عليها. إيران بدورها تدرك أن أية مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة ستكون خطيرة و ثمنها باهظ على استقرارها الداخلي
لذا، من المتوقع أن يستمر الصراع بشكل “غير مباشر”: على شكل جولات من خلال هجمات قوية لكنها محدودة ، وعمليات استخباراتية، مع ضغوط سياسية. وهذا النوع من الصراع يحتاج لنفس طويل، قد يستمر لسنوات، ما لم يحدث تغير كبير في القيادة السياسية أو اتفاق دولي جديد يعيد ترتيب التوازنات.
وعلى الرغم من دحول الهدنة حيز التنفيذ ، إلا أنه من المبكر الحديث عن منتصر واضح ، لا يمكن الحديث عن منتصر. فكل طرف يعلن انتصاره وتحقيق أهدافة ، لكن الواقع أكثر تعقيدا مما يرى. إذ نجحت إسرائيل في توجيه ضربات مؤثرة وتقليص بعض التهديدات، لكنها في الوقت ذاته ، لم تقضِ بشكل كامل على النفوذ الإيراني في المنطقة، أما إيران من فقد أظهرت قدرتها على الرد وإيصال رسائل قوية، لكنها لم تحقق تفوقًا حاسمًا.
ويبقى الولايات المتحدة التي حافظت على موقعها كلاعب رئيسي، لكنها لم تتمكن من إنهاء الصراع أو فرض تسوية نهائية. لذا فغالبًا في مثل هذه الحروب ، لا يكون هناك فائز حقيقي، بل خسائر متفاوتة للجميع، خاصة على المستوى الإنساني والاقتصادي
ولا يستثنى من ذلك لبنان، الذي يقف على حافة الخطر. التوتر على حدوده الجنوبية أمتد ليصل أجزاء بيروت ، ما أدى لتوسع الحرب . لكنه يهدد بالتحول لحرب أوسع في أي لحظة تشمل كل لبنان، تحوله لساحة صراع رئيسية ، خاصة مع وجود قوى مسلحة مرتبطة بإيران.
حتى الآن، يتم احتواء التصعيد، لكن الوضع هش للغاية وينذر بحرب أهليه قد تكون طائفية. ولبنان يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية عميقة، وأي حرب جديدة قد تكون كارثية عليه. لذلك، هناك ضغوط دولية كبيرة لمنع انزلاقه إلى مواجه
مباشرة. لكن في حال توسعت الحرب بين إسرائيل وإيران، قد يصبح لبنان ساحة رئيسية للصراع.
لذ فما يحدث اليوم قد لا تحط بها الحرب أوزارها لتخط سطور النهاية، بل ربما هي مرحلة من صراع قد يمتد ليصبح طويل ومعقد. فالمنطقة تعيش حالة من عدم الاستقرار، إذ تتداخل المصالح الدولية والإقليمية. فلا يوجد حل سريع، ولا منتصر واضح، بل ربما توازن هش يمكن أن ينكسر في أي لحظة.
المستقبل يعتمد على نجاح الجهود الدبلوماسية في تقريب وجهات النظر وتغيير مواقف الأطراف لكي لا تنزلق المنطقة برمتها لتواقع جديد، فهل ستنجح الجهود الدبلوماسية؟ هل ستتغير مواقف الأطراف؟ أم أن المنطقة تتجه نحو جولات جديدة من التصعيد؟
في كل الأحوال، يبقى الأمل في أن تتجنب المنطقة حربًا شاملة، وأن يتم إيجاد حلول سياسية تقلل من معاناة الشعوب، خاصة في غزة ولبنان، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر دائمًا.







