
عمرو الزيات
كنتُ صغيرا – ولستُ بدعا في ذلك؛ فكل الناس كانوا كذلك – أتمنى أن أكون عازفًا على آلة وتريّة، وكنتُ مولعًا بصوت الكمان تلك التي تثير في النفس شجنًا غريبًا، ودعك من قولهم: إن الأمنيات مفتاحُ شخصية صاحبها؛ فلستُ من إخوان هذا الطراز من الناس، لا أحبّ النعومة ولا التطري.
وظلّت تلك الأمنية تلازمني طوال فترة الصبا، ثم أصبحتْ تعنُّ ليّ بين حين وآخر إلى أن تلاشت تماما؛ بيد أنني – حتى الآن – أطرب الطرب كله لتلك الآلات الوترية إلا الكمان!
ثمّة صدفةٌ عجيبةٌ غيّرتْ نظرتي للكمان؛ فاستحال الحبّ بغضا، والإعجاب اشمئزازًا وتقززًا؛ لي صديقٌ حاصل على درجة علمية عالية (دكتوراه) في مجال علمي دقيق ونادر؛ هذا الصديق شديد الإعجاب بالأدب سيما الشعر، وكان يعلم موقفي مما يطلقون عليه شعرا وأراه أنا نثرا؛ بل أراه من أسوأ أنواع النثر الركيك، حاول جاهدًا أن يقنعني مبررًا إعجابه بهذا اللغو والهراء فلم يفلح، وحدث أن جاء صاحبنا ذات يوم، وقال: سأسمعك شيئَا يعجبك، وإذا بي أسمع تلك السُخافات – كما كان ينطقها أستاذنا شكري يرحمه الله –
” الكمان … صار الكمان كعوبَ بنادق، وصار يمامُ الحدائق ……..”
قلت له: كمان وكعوب ويمام!! عليك وعلى شاعرك من الله ما تستحقان, وكان هذا آخر عهدي بالكمان.
منذُ أيامٍ عاودني هذياني التليد وعَرض لي أن أضعَ لحنًا لقصيدة الشاعر الأمويّ كثيّر بن عبد الرحمن الخزاعيّ صاحب عزّة التي مطلعها:
خَليلَيَّ هَذا رَبْعُ عَزَّةَ فَاعْقِــــــلَا
قلوصَيكُما ثُمَّ ابْكِيَا حَيثُ حَلَّتِ
لماذا كثيّر؟! ولماذا تلك القصيدة؟! وهل سبق لي أن وضعتُ ألحانا من قبل؟! أم أن ذكرى كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ما زالت عالقة بذاكرتي حتى الآن؟! لقد وقعتُ على نسخة قديمة من هذا الكتاب وقرأتها قبل فترة الجامعة، فلمّا انتقلت إلى القاهرة ضاع الكتاب، أو قل: أحرقته أمي؛ فقد كانت – رحمها الله – تظن أنه من كتب الجن والأعمال السفلية.
لكن لماذا الآن؟ كان حلمًا يراودني أيام الصّبا وفي ميعةِ الشباب، لقد تخليتُ عنه أو هجرني هو منذ زمن ليس بالقصير، واليوم قد نيّفت على الخمسين! ظلّت الفِكر تدور في رأسي دوران المحموم، وحفظك الله – أيها القارئ – من دوران الفكر في رأس لا شعر فيه!
كنت وحيدا بالبيت – وتلك أحبُّ الأوقات إلى قلبي – فأنا – كما ذكرتُ غيرَ مرة – أضيقُ بالبشر ومجتمعاتهم، وشرعتُ أفكر في بداية اللحن والمدخل إلى القصيدة، فأخذت أردد رافعا صوتي – الرخيم – تارة، وأفكر في الكلمات تارة أخرى، وانتويت أن أكتب عن تلك القصيدة كلمة نقدية؛ ولمَ لا وأنا خيرُ مَنْ خطّ نقدًا يحار فيه النقاد: الأحياء منهم والأموات.
كان الوقت ليلا ونفدت سجائري، لا مفرّ من النزول وإحضار السجائر فهي – السجائر – خيرُ معين على التفكير، وهي – كما أراها – زاد المبدع في تلكم الرحلة المضنية.
هممتُ وفتحتُ البابَ، انقطع التيار الكهربائي فجأة، قلت لنفسي: سأذهب على كل حال وأحضر السجائر حتى يعود التيار، نزلت على الدرج وأنا في تلك الحالة العجيبة، أردد وأدندن، لقد أغراني اللحن الساذج والسكون، ولم أشعر أن صوتي قد جاوز المدى، ما أجمل صوتي وأرخمه! وما أعذب لحني وأجمله! كان الله في عون الجيران وجيران الجيران، والويل كل الويل لأطفال البيت وما أصابهم من فزعٍ كأن إسرافيل عليه السلام نفخ في الصور تلك اللية .
كنت أردد قول كثّير:
فَقُلتُ لَها يا عَزَّ: كُلُّ مُصيبــــــَةٍ
إِذا وُطِّنَت يَومًا لَها النَفسُ ذلَّتِ
وأنطقها مرّةً: يا عزُّ على لغة من لا ينتظر، ومرّةً يا عزَّ على لغة من ينتظر، ولا تقسُ على نفسك أيها القارئ لتفهم اللغتين؛ ولعل الأدعياء الأقزام سيهرولون إلى شيخهم (جوجل) يستفتونه في أمر تلك اللغتين، ونؤكد لهؤلاء أنهما – اللغتان – قاعدة نحوية وحقيقة تدرك؛ بيد أنها لا تؤكل كما تتوهمون.
كنت أردد: ياااااااااااااااااااااااااعزُّ فإذا بفتاة تصرخ في وجهي: ” حرام عليك يا عمو كنت هموت من الخضة ” هبطتُ من سمائي إلى أرض تلك الفتاة التي تعرفني وأعرفها، هي ابنة جارنا في الطابق التاسع، يبدو أن صوتي ولحني لم يلقيا لديها ما كنت أتوقعه من الثناء والتقدير.
أحضرت سجائري، عاد التيار، دلفت إلى بيتي أتوارى عن الجيران من سوءة ما فعلتُ، مزقتُ أوراقي ولعنتُ كثيّرًا وعزةَ، ولعنتُ الكمان.
