
بقلم: شحاتة زكريا
حين تسكت المدافع يظن كثيرون أن الحرب انتهت. لكن الحقيقة أن ما يتوقف هو صوت السلاح فقط أما الحرب نفسها فتظل حاضرة في ذاكرة الشعوب وفي المدن التي فقدت ملامحها، وفي البيوت التي غاب عنها أصحابها وفي أطفال كبروا على أصوات الانفجارات قبل أن يعرفوا أصوات الحياة. فالحرب لا تغادر الميدان بانتهاء المعركة بل تنتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية حيث تبدأ رحلة طويلة لاستعادة ما فقده الإنسان.. ولذلك لم يكن غريبا أن يكتب التاريخ عن أمم انتصرت عسكريا لكنها احتاجت سنوات طويلة حتى تتعافى من آثار ذلك الانتصار. فالخراب لا يُقاس بعدد المباني التي سقطت وإنما بعدد الأحلام التي توقفت والفرص التي ضاعت والأجيال التي دفعت ثمنًا لم تكن طرفا في صنعه.
الحروب لا تترك وراءها ركاما فقط بل تترك فراغا في الوجدان. تزرع الشك مكان الثقة والخوف مكان الطمأنينة وتُغير نظرة الإنسان إلى المستقبل. وقد يستطيع المهندس أن يعيد بناء جسر ويستطيع العامل أن يشيد مصنعا لكن من يعيد بناء طفل نشأ وهو يرى العالم من نافذة الحرب؟ ومن يعيد إلى أمٍ فقدت أبناءها يقينها بأن الغد يمكن أن يكون أجمل؟ لهذا فإن أصعب ما بعد الحرب ليس إزالة الأنقاض بل إزالة آثارها من النفوس. فإعادة الإعمار مشروع هندسي أما إعادة بناء الإنسان فهي مشروع حضاري طويل يبدأ بالتعليم ويمر بالثقافة ويستند إلى العدالة وينتهي بمجتمع يؤمن بأن المستقبل لا يُصنع بالكراهية بل بالعمل.. وفي عالمنا المعاصر لم تعد الحروب معارك تقليدية تنتهي بخطوط فاصلة على الخرائط. لقد أصبحت تمتد إلى الاقتصاد، والطاقة، والغذاء، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، والإعلام، والفضاء الإلكتروني. وما يحدث في بقعة من العالم قد ينعكس على حياة ملايين البشر في أماكن لم تسمع صوت رصاصة واحدة…لهذا لم تعد القوة تُقاس فقط بما تملكه الدول من جيوش وإنما بقدرتها على حماية اقتصادها وتأمين غذائها والحفاظ على استقرارها الداخلي وإدارة الأزمات بعقل بارد. فالعالم لم يعد يرحم الدول التي تكتفي بردود الأفعال بل يمنح مكانته لمن يقرأ المستقبل قبل أن يصل.. ومن هنا تكتسب السياسة قيمتها الحقيقية. فالسياسة ليست فن إدارة الخلافات فحسب بل فن منعها من التحول إلى صراعات تدفع الشعوب ثمنها. والدبلوماسية الناجحة ليست تلك التي تبحث عن نصر لطرف وإنما التي تفتح نافذة تمنع خسارة الجميع…لقد أثبتت تجارب التاريخ أن السلام لا يولد من التعب وحده وإنما من الإدراك بأن استمرار الصراع لا يورث إلا مزيدا من الخسائر. ولهذا كانت أعظم لحظات السياسة هي تلك التي انتصر فيها صوت العقل على صوت الغضب وصوت التفاوض على صوت المدافع.. ولا يعني هذا أن السلام طريق سهل أو أن تحقيقه يتم بتوقيع اتفاق فقط. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى إرادة وإلى مؤسسات قوية
وإلى تنمية تمنح الناس سببًا للدفاع عن الاستقرار لأن المواطن الذي يجد فرصة عمل، وتعليمًا جيدًا، ورعاية صحية، وعدالة تحفظ حقوقه يصبح أكثر تمسكا بوطنه وأقل استعدادا للانجرار نحو الفوضى.. ولعل أخطر ما تتركه الحروب أنها تعيد تشكيل الوعي. فهي تصنع أجيالا تعرف أسماء الأسلحة أكثر مما تعرف أسماء الكتب وتحفظ مشاهد الدمار أكثر مما تحفظ صور البناء. وهنا تصبح مسؤولية المدرسة، والجامعة، والإعلام، والأسرة، مسؤولية مضاعفة في إعادة الاعتبار لقيم الحوار، واحترام الاختلاف، والانتماء، والعمل حتى لا يتحول الماضي إلى عبء دائم على المستقبل…إن الدول التي استطاعت النهوض بعد الحروب لم تنتظر أن تمحو الزمن آثار الألم بل قررت أن تبدأ. آمنت بأن البناء لا يكون بالندم، وإنما بالإرادة، وأن المستقبل لا يُستعار من الآخرين بل يصنع داخل المصانع والجامعات ومراكز البحث، وورش العمل، وحقول الإنتاج…ومن يتأمل حركة التاريخ يكتشف أن الأمم لا تقاس بعدد المعارك التي خاضتها بل بعدد المرات التي استطاعت فيها أن تعود إلى الحياة. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحروب وإنما في امتلاك الحكمة التي تمنع اندلاعها أو تقلل خسائرها عندما تصبح مفروضة…إن الإنسانية دفعت عبر القرون أثمانا باهظة بسبب الحروب لكنها تعلمت أيضا أن العمران أكثر بقاء من الدمار، وأن الكلمة الصادقة أطول عمرا من صوت المدفع وأن الحضارات لا يخلدها ما هدمته بل ما بنته…قد تتغير الخرائط وتتبدل موازين القوى وتُوقع الاتفاقات لكن ما يبقى دائما هو الإنسان. فإذا خسر الإنسان أمنه، وتعليمه، وصحته، وأمله فلن يكون هناك منتصر حقيقي…ولهذا ستظل الحروب مهما انتهت تترك خلفها صفحات يصعب طيها بينما يظل السلام هو الإنجاز الوحيد الذي لا يصنع ضجيجا لكنه يصنع مستقبلا. فالتاريخ لا يتذكر فقط من امتلك القوة بل يتذكر أكثر من أحسن استخدامها ومن جعل من الحكمة طريقا ومن البناء رسالة ومن الإنسان القيمة التي تستحق أن تحمى قبل أي شيء آخر.








