
راجي بشاي
سؤال جرئ يتهرب الكثيرون من الإجابة عليه: من سمح لليهود بالسكن في مدينة السلام التي لم تعرف السلام؟
لا تتعجب و لا تندهش حينما تعرف أن صلاح الدين الأيوبي هو من سمح لليهود بالسكن في مدينة القدس واستيطانها بعد العهدة العمرية.
اتفق المؤرخون المسلمون من أهل السنة والشيعة، وغيرهما، على أن الخليفة عمر بن الخطاب عندما ذهب لاستلام المدينة المسيحية المقدسة “إيليا” التي كان العرب والمسلمون الأوائل ينطقون اسمها: إيلياء! ثم صاروا يسمونها: القدس، بيت المقدس.. تعهّد الخليفة لأسقف المدينة، بألا يتعرّض المسلمون لكنيسة القيامة بسوء، وبألا يسمحوا لليهود بسُكنى المدينة.
هذا ما يعرف تاريخياً بالعهدة العُمرية، التي شهد عليها كبار الصحابة وقواد الجيوش الإسلامية، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وقد ورد فيها اسم المدينة “إيلياء” عدة مرات، ولم تتم الإشارة قط لاسمها الذي نعرفه الآن: القدس، بيت المقدس “نص العهدة العمرية، موجود في كل كتب التاريخ الإسلامي، ومتاح اليوم على الإنترنت” و مرفق صورة لنص هذه العهدة
حافظ المسلمون على التعهُّد الذي أعطاه الخليفة عمر بن الخطاب للمسيحيين، لعدة قرون تالية من الزمان، فلم يسمحوا ليهوديٍّ بالسكنى في المدينة، حتى جاء صلاح الدين الأيوبي وتصالح على القدس وفتحها، وسمح لليهود بالإقامة فيها والاستيطان، ترضية لطبيبه الخاص “موسى بن ميمون الإسرائيلي”، ولكسب ولاء اليهود”.

لهذا، فإن “صلاح الدين” من الشخصيات المحببة إلى قلوب اليهود حتي اليوم، ويعترفون له بالجميل.. لكن الجهلة من معاصرينا، يتهمون من يذكر الحقيقة بأنه يبغي إرضاء لليهود! فيسمعهم بعض العوام الأكثر من هؤلاء الجهلة جهلاً، فيصدقوهم، لأنهم لا يعرفون أن اليهود يحبون صلاح الدين أكثر من المصريين الذين عانوا منه ومن وزيره قراقوش، وعاينوا صنوف العذاب”.
وفي الخمسين سنة الأخيرة، صار اسم صلاح الدين (بطل حطين) مشهورًا على كل لسان، خاصة بعدما قدم المخرج يوسف شاهين فيلمه الكبير : الناصر صلاح الدين، فامتزج في أذهان الناس الخيال السينمائي بالخبر التاريخي، وتوحدت في أوهامهم صور صلاح الدين الأيوبي والممثل أحمد مظهر ( الذي كان مبتدأ أمره رجلا عسكريا يعمل في سلاح الفرسان المصرى).
وقبل الفيلم السينمائي وبعده كثر ذكر صلاح الدين، وحشيت عقول الناس بأعمال أدبية وقصائد وكتابات تنتحب على حال العرب، وتنتظر مجيء صلاح الدين الجديد فى صورة المخلص . وهى صورة ذهنية عششت في أذهان هذه المنطقة البائسة من العالم، منذ انتشار الديانة اليهودية التي تقوم أساساً على إطار (مخلص) يعيد مجد الرب وسلطانه لشعب الرب المختار الذين هم (اليهود) تحديدا، وما عداهم هم الأمم .
ولأن الخمسين سنة الأخيرة كانت زمن الحكام العرب فقد كان من المناسب للدعايات الحكومية إذكاء سيرة صلاح الدين الأيوبي وإعلاء الأخبار الخاصة بقلعة حطين التي انتصر فيها على الصليبيين، واسترد منهم القدس ذات الأسماء : إيلياء ، أو جيروساليم ، ييروساليم، أوروشليم، بيت المقدس، دار السلام .. مع أنها المدينة لم تعرف السلام طيلة تاريخها.
